تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد تغير تغيرا تاما وانقطعت الصلة بين حاضره وماضيه أشد انقطاع، وكذلك يصنع العلم بأبنائه الأوفياء فهو يجعلهم متواضعين مهذبين لا يعرفون العنف ولا الغطرسة ولا الكبرياء. (3)

وبالغ الدكتور في الأدب والذوق فعرض علي رسالته الجديدة لأقدم إليه بعض الملاحظات، بوصف أني من المشتغلين بدراسة فلسفة الأخلاق وقد نظرت في الرسالة الجديدة فرأيت الدكتور زكي مبارك لم يتغير ولم يتبدل، فمؤلف كتاب «التصوف الإسلامي» هو عينه مؤلف كتاب «الأخلاق عند الغزالي» بل هو في كتابه الجديد أخطر وأفتك، ولكن ماذا أملك في مقاومته هذه المرة؟

إن جامعة فؤاد الأول منحته درجة الدكتوراه في الفلسفة برتبة الشرف وهي شديدة الضن بالألقاب إلا على المستحقين، ولا سيما أن اللجنة التي أدى امتحانه أمامها قد ضمت نخبة من أكابر العلماء من بينهم معالي الأستاذ مصطفى عبد الرازق بك والدكتور منصور فهمي بك والدكتور عبد الوهاب عزام والأستاذ شفيق غربال.

ومن واجبي أن أحترس في الثناء فأصرح بأني لا أتفق والدكتور زكي مبارك في كل ما عرضه من الآراء في كتاب التصوف الإسلامي، ولا غرو في ذلك فالباحثون قلما اتفقوا على رأي واحد، إن المهم عندي وعند جميع المنصفين أن يكون الباحث حسن النية مستقلا في آرائه الفلسفية، والدكتور مبارك من هذه الناحية متفوق كل التفوق: فهو في كتابه هذا يدرس التصوف دراسة من يفهم أسرار التصوف.

والعقل الفلسفي ظاهر كل الظهور في هذا الكتاب، فالمؤلف أثابه الله يدرس الوجوه المختلفة للرأي الواحد، وقد يصل حاله إلى الغرابة في بعض الأحايين حين يعرض عليك عدة صور لرأي من الآراء ثم تراه متشيعا لكل صورة كأنها رأيه الوحيد وكأنه أشخاص يتحاورون لا شخص واحد.

وذلك هو العقل الفلسفي فيما أعرف، وهو لا يتوفر للباحث إلا حين تنضج مواهبه ويكبر عن التعصب لرأي من الآراء.

لقد ألف المسلمون مئات أو ألوفا من المصنفات في التصوف، وما كنا في حاجة إلى كتاب جديد.

فالمزية الصحيحة للدكتور زكي مبارك هي أنه لم يؤلف كتابه في الدعوة إلى التصوف، أو الهجوم على التصوف، وإنما ألف كتابه في نقد التصوف فبين ما فيه من محاسن وعيوب، وكشف عما فيه من ضعف وقوة، بصراحة فائقة وحماسة رائعة، وأسلوب متين.

وأصرح مرة ثانية بأني قد أخالف هذا المؤلف في كثير من الآراء التي عرضها في كتاب التصوف الإسلامي، ولكني أتمنى أن يكون قدوة لسائر المؤلفين، فما ينقصنا اليوم غير الابتكار، وهو أول شرط في جودة التأليف. (4)

وأنا بعد هذا التحفظ أشهد أن هذا الكتاب يفيض بقوة الروح، وأعتقد أنه يغرس الشعور بالتبعة الخلقية ويوجه القارئ إلى فهم أسرار المعاني، وتسجيل هذا الرأي يريحني من الإحساس الذي أرقني منذ سنة 1924 حين حرضت الجمهور علنا على الشك في آراء الدكتور زكي مبارك، الرجل الفاضل المخلص الذي أنفق شبابه في الدراسات الأدبية والفلسفية.

كتب الله له دوام التوفيق، ونفع بمؤلفاته، وأطال في حياته.

| كلمة المؤلف

بقلم محمد زكي عبد السلام مبارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.

أما بعد، فهذا كتاب التصوف الإسلامي، وهو كتاب شغلت به نفسي نحو تسع سنين، وأنفقت في تأليفه من الجهد والعافية ما أنفقت، في أعوام عجاف لو ابتلي بمثلها أصبر الصابرين وأشجع الشجعان لألقى السيف وطوى اللواء، فقد كنت في حرب مع الناس ومع الزمان، ويا ويح من ابتلته المقادير بإفك الناس وغدر الزمان.

ولكن الله عز شأنه لم يخلق الشر إلا لحكمة عالية، فقد قويت عزيمتي بفضل ما عانيت في حياتي من ضروب الاضطهاد، واستطعت أن أقيم الدليل على أن الظلم قد يعجز عن تقويض عزائم الرجال.

وهل كان من هواي أن أسرف على نفسي مثل الذي أسرفت فأقضي عشرين سنة في الحياة الجامعية بين القاهرة وباريس كانت كلها نضالا في نضال؟!

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٣