تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الرجل الذي يجود بدرهم مما يملك أقرب إلى الزهد من الفقير الذي يعف عن دينار مما لا يملك، وليس الزهد أن تطيب نفسك عن مغانم قد تنال وقد لا تنال، وإنما الزهد أن تطيب نفسك عن مال تعمر به خزائنك، ثم تجود به طائعا للفقراء والمعوزين.

إن من الإجرام في الحياة العقلية والوجدانية أن نصف المفلسين والعجزة بالزهد والعفاف، إن الزهد أن تترك بعض ما تملك، والعفاف أن تكون عند القدرة مسيطرا على هواك. أما أولئك الدراويش الذين لا يقدرون على فسق ولا زيغ فهم طفيليون في عالم الأخلاق. وإنما يتبين الخلق عند الغنى والعافية، فمن شاء أن يدرس التصوف حق الدرس فلينظر في حياة أرباب الثروة الضافية والشباب السليم، أولئك هم المجاهدون في عالم الأخلاق، وأولئك هم الصوفية وإن لم يرتدوا المرقعات ولم يلزموا المحاريب.

إن المال عزيز على مالكيه، وهم لا يبذلونه طائعين، وإنما يتبرعون طاعة لرغبة قاهرة من المعاني النفسية، وهي معان لا يخضع لها المرء إلا إن تصوف.

والشباب غلاب قهار، ولا يسلك الشاب مسلك التجمل إلا طاعة لرغبة عاتية من المعاني النفسية، وهي معان لا يخضغ لها المرء إلا إن تصوف.

وما أريد أن أحكم بأن كل تفضل زهد، أو أدعي أن كل تجمل عفاف، وإنما أقول: بأن الزهد لا يدل على قوة النفس إلا حين يتضمن معنى الحرمان، والحرمان مما تملك أقسى وأصعب من الحرمان مما تؤمل؛ لأن الملك يغريك بالحرص، ويطمعك في المزيد. أما المأمول فهو سراب، والخفة إليه لا تضمن في جميع الأحوال، فالزهد فيه فضيلة الفارغين.

وكذلك العفاف لا يكون إلا عند القدرة والعافية. أما عفاف العجزة والمفلسين فهو من الفضائل الخسيسة التي لا يتمدح بها إلا الرعاع في عالم الأخلاق.

فإن أردتم مثالا للزهد الذي أعنيه فإني أذكركم بالرجل الصالح إبراهيم بن أدهم الذي ترك ماله وجاهه؛ ليتقرب إلى الله بعيش الفقراء .

وإن أردتم مثالا للعفاف فإني أذكركم بألوف الشبان الذين يجاهدون أنفسهم وأهواءهم في سبيل المجد، ويقضون الليل والنهار في العمل الشريف، ولو غفت عنهم مطامحهم العالية لصرعتهم الشهوات.

قد تقولون: وأين هذا من التصوف؟ وأجيب بأن التصوف لا يكون إلا في النفس، وفي النفس عوالم كثيرة بعضها أخطر من بعض، ومن الخطأ أن نقف عند حدود الاصطلاح في عوالم لا تحدها رسوم ولا حدود.

فإن كان التصوف من النقص فلا تقصروه على أولئك الدراويش المساكين، فهم أضعف من أن يتفردوا بالنقص، وإن كان التصوف من الفضل فلا تقصروه على أولئك الدراويش المدعين، فهم أصغر من أن يتفردوا بالفضل!

التصوف في هذا الكتاب

ولكن ما هذا الإلحاح في إسباغ ثوب التصوف على كثير من النوازع الوجدانية؟

نحن لا نريد في هذا الكتاب أن نخرج به عن حدود الاصطلاح، فلن نتكلم عن التصوف في الحب أو الصداقة أو الولاء، ولن نستقصي المعاني التي اصطبغت بروح صوفية وإن بعدت عن الدين، لن نفعل شيئا من ذلك، ولكنا لن نقف عند حرفية التصوف، فنحن نمقت الحروف والحرفيين، ونؤثر المعاني والمعنويين في جميع أبواب الحياة، وكان لا بد أن نلح في بسط هذا الفرض لنأمن اعتراض من يقف في فهم التصوف عند حدود الحروف.

التصوف في هذا الكتاب هو الصدق في العواطف الدينية، الصدق الصادق الصدوق الذي لا يثنيه وعد، ولا يرهبه وعيد، فالكميت عندنا من الصوفية وإن لم ينسبه أحد إلى التصوف؛ لأن حبه لأهل البيت تحول إلى عاطفة دينية رقيقة صادقة جلبت عليه الذل والويل، ودعبل عندنا من الصوفية وإن أنكر ناس أن يكون طبع هذا الرجل صالحا لقبول التصوف؛ لأن تشرد ذلك الشاعر وهيامه من أرض إلى أرض خليق بأن يجعله من الصوفية، فقد كان يضمر من الحب لأهل البيت فنونا من العطف قضت عليه بالزهد في دنيا الخلفاء والأمراء.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ١٠