تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويحسب نسوان من الجهل أنني

إذا جئت إياهن كنت أريد

فأقسم طرفي بينهن سوية

وفي الصدر بون بينهن بعيد

فليت وشاة الناس بيني وبينها

يدوف لهم سما طماطم سود

وليتهم في كل ممسى وشارق

تضاعف أكبال لهم وقيود

إذا جئتها يوما من الدهر زائرا

تعرض منقوص اليدين صدود

يصد ويغضي عن هواي ويجتني

ذنوبا علينا إنه لعنود

فأصرمها خوفا كأني مجانب

ويغفل عنا مرة فنعود

يقولون جاهد يا جميل بغزوة

وأي جهاد غيرهن أريد

لكل حديث بينهن بشاشة

وكل قتيل بينهن شهيد

وغاية الغايات في هذا الباب قول أبي بكر بن عبد الرحمن الزهري:

ولما نزلنا منزلا طله الندى

أنيقا وبستانا من النور حاليا

أجد لنا طيب المكان وحسنه

منى فتمنينا فكنت الأمانيا

| الهيبة والخضوع

والشعراء يهابون الحسن، ويضلون سبيل الرشد حين يراجعون أربابه، وانظر قول أبي فراس:

أراميتي كل السهام مصيبة

وأنت لي الرامي فكلي مقاتل

وإني لمقدام وعندك هائب

وفي الحي سحبان وعندك باقل

يضل علي القول أن زرت دارها

ويعزب عني وجه ما أنا فاعل

وحجتها العليا على كل حالة

فباطلها حق وحقي باطل

وما أرق قوله في عكس هذا المعنى:

ومغض للمهابة عن جوابي

وإن لسانه العضب الصقيل

أطلت عتابه عنتا وظلما

فدمع ثم قال: كما تقول!

ومن جيد الشعر في هيبة الحسن، قول الحسن بن وهب:

أقول وقد حاولت تقبيل كفها

وبي رعدة أهتز منها وأسكن

ليهنك أني أشجع الناس كلهم

لدى الحرب إلا أنني عنك أجبن

وقول بعض الأعراب:

أهابك إجلالا وما بك قدرة

علي ولكن ملء عين حبيبها

وما هجرتك النفس أنك عندها

قليل ولكن قل منك نصيبها

وفي الخضوع للحبيب يقول الشريف:

كم ذميل إليكم ووجيف

وصدود عنا لكم وصدوف

1

وغرام بكم لو ان غراما

جر نفعا للواجد المشغوف

صبوة ثم عفة ما أضر الح

ب في كل خلوة بالعفيف

هجرونا ولم يلاموا وواصل

نا على مؤلم من التعنيف

وطلبنا الوفاء حتى إذا عز

رضينا بالمطل والتسويف

كيف يرجو الكثير من راضه الشو

ق إلى أن رضي ببذل الطفيف

وانظر قول ابن الرومي:

أضعتني فرعيت

وخنتني فوفيت

أطعت في الأعادي

وكلهم قد عصيت

فكيف أصبحت غضبى

لما رضاك أتيت

| الرضى بالقليل

وقد يقنع المحب وهو راغم، فيرضى بالوعد، ويفرح بالأماني، وهي كواذب؛ لأن الوصل عزيز المنال، فمن ذلك قول العباس بن الأحنف:

كفي حزنا أني وفوزا ببلدة

مقيمان في غير اجتماع من الشمل

أما والذي ناجى من الطور عبده

وأنزل فرقانا وأوحى إلى النحل

لقد ولدت حواء منك بلية

علي أقاسيها وخبلا من الخبل

أرى الناس لا يرضى ذوو العشق منهم

بشيء سوى حسن المواتاة والبذل

وإني ليرضيني الذي ليس بالرضى

وتقنع نفسي بالمواعيد والمطل

وفي هذا المعنى يقول الشريف:

لك الله هل بعد الصدود تعطف

وهل بعد ريعان البعاد تدان

وما غرضي أني أسومك خطة

كفاني قليل من رضاك كفاني

وقال بعض الظرفاء:

أنا راض منكم بأيسر شيء

يرتضيه من عاشق معشوق

بسلام على الطريق إذا ما

جمعتنا بالاتفاق الطريق

وقال توبة الحميري في ليلى الأخيلية:

وهل تبكين ليلى إذا مت قبلها

وقام على قبري النساء النوائح

كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها

وجاد لها دمع من العين سافح

وأغبط من ليلى بما لا أناله

بلى كل ما قرت به العين صالح

وقد كثر القليل في قول ابن الطثرية:

أليس قليلا نظرة إن نظرتها

إليك؟ وكلا ليس منك قليل

وجاراه في هذا المعنى من قال:

إن ما قل منك يكثر عندي

وكثير ممن تحب القليل

وأبرع الشعر في هذا المعنى قول جميل:

وإني لأرضى من بثينة بالذي

لو أبصره الواشي لقرت بلابله

بلا، وبأن لا أستطيع، وبالمنى،

وبالأمل المرجو قد خاب آمله

وبالنظرة العجلى، وبالحول تنقضي

أواخره لا نلتقي وأوائله

وفي مقابل هذا يقول ابن الفارض:

وإذا اكتفى غيري بطيف خياله

فأنا الذي بوصاله لا أكتفي

وأبدع منه قول ابن الرومي:

أعانقه والنفس بعد مشوقة

إليه وهل بعد العناق تدان

وألثم فاه كي تزول حرارتي

فيشتد ما ألقى من الهيمان

مدامع العشاق · الصفحة ٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٦٦