ولكنني أبقي عليك وأشفق
عطفت على أسراركم فكسوتها
قميصا من الكتمان لا يتخرق
وقد يعتذر عن هجره فيقول:
الله يعلم ما أردت بهجركم
إلا مصانعة العدو الكاشح
وعلمت أن تباعدي وتستري
أدنى لوصلك من دنو فاضح
وأحلى من هذا قوله في تعيين الغرض من الصدود:
سأهجر إلفي وهجرانها
إذا ما التقينا صدود الخدود
كلانا محب ولكننا
ندافع عن حبنا بالصدود
وتأمل قوله: «صدود الخدود» يريد بذلك أن كلا منهما يصدف بخده عن صاحبه، أما القلوب فهي في ائتلاف. وطورا يكتفي بحديث العيون، كقوله:
كلانا مظهر للناس بغضا
وكل عند صاحبه مكين
تخبرنا العيون بما أردنا
في القلبين ثم هوى دفين
وقد يسر الحزن، ويبدي السرور، مبالغة في التستر، كقوله:
عيون العائدات تراك دوني
فيا حسدي لعيني من يراك
أريدك بالكلام فأتقيهم
وأعمد بالكلام إلى سواك
وأكثر فيهم ضحكي ليخفى
فسني ضاحك والقلب باك
وقد أفصح عن ضرورة الكتمان بقوله:
سأستر والستر من شيمتي
هوى من أحب بمن لا أحب
ولا بد من كذب في الهوى
إذا كان دفع الأذى بالكذب
وربما تمنى لو استطاع أن يكاتم قلبه الحب، فيقول:
إذا لم يكن للمرء بد من الردى
فأكرم أسباب الردى سبب الحب
ولو أن خلقا كاتم الحب قلبه
لمت ولم يعلم بحبكم قلبي
إذا قيل تقريك السلام تماسكت
حشاشة قلبي وانجلت غمرة الكرب
وقد ييأس من كتم الحب فيقول:
أما الهوى فهو شيء لا خفاء به
شتان بين سبيل الغي والرشد
إن المحبين قوم بين أعينهم
وسم من الحب لا يخفى على أحد
وقد يبالغ بالكتمان حتى يضل الناس من أجل حبه في بيداء من الظنون، ليس لليل نهار، كما يقول:
قد سحب الناس أذيال الظنون بنا
وفرق الناس فينا قولهم فرقا
فجاهل قد رمى بالظن غيركم
وصادق ليس يدري أنه صدقا
وقد ذكروا أن العباس بن الأحنف مات هو وإبراهيم الموصلي والكسائي في يوم واحد، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فصفوا بين يديه، ثم سأل عنهم واحدا واحدا، وأمر بتقديم ابن الأحنف فصلى عليه، فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي فقال: يا سيدي كيف آثرت العباس بالتقدمة على من حضر؟ فأنشده المأمون هذين البيتين:
سماك لي ناس وقالوا إنها
لهي التي تشقى بها وتكابد
فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم
إني ليعجبني المحب الجاحد
ثم قال: أتحفظهما؟ فقال: نعم. فقال: أليس من قال هذا الشعر أولى بالتقدمة؟ فقال: بلى يا سيدي.
1
ومن جيد ما قيل في كتمان السر قول قيس بن ذريح:
لو ان أمرا أخفى الهوى عن ضميره
لمت ولم يعلم بذاك ضمير
ولكن سألقى الله والنفس لم تبح
بسرك والمستخبرون كثير
ومن الشعر الموجع في الكتمان قول جاهر بن عبد الحكيم الكلبي:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه
ودينك عند الزاهرية ما يقضى
أكاتم في حبي ظريفة بالتي
إذا استبصر الواشون ظنوا به بغضا
صدودا عن الحي الذين أودهم
كأني عدو لا يزور لهم أرضا
ولم يدع باسم الزاهرية ذاكر
على آلة إلا ظللنا لها مرضى
وما نقع الهيمان بالشرب بعدهم
ولا ذاقت العينان مذ فارقوا غمضا
وقد يتهم المرء بحب من لا يحب، فيتمنى لو تصدق التهمة، كما قال صاحب البدائع:
عجبت لهم أنى رموني بحبها
ولا مهجتي رهن لديها ولا قلبي
فيا رب صدق في هواها عواذلي
فإن عناء أن ألام بلا ذنب
وإلا فلا تقطع علي ملامهم
فإن ملام المرء فاتحة الحب
طرفة أدبية
قال بعضهم لمحبوبته:
سري وسرك لا يعلم به أحد
إلا الإله وإلا أنت ثم أنا
فقالت له: لا تنس القوادة، فعندها الخبر اليقين!
| قسوة التجني
أكثر الشعراء من شكوى الهجر والصدود، وأكثروا القول كذلك عن قسوة التجني، فمن ذلك قول ابن نباتة السعدي:
يا دهر لا غفلات العيش عائدة
ولا الشباب الذي أبليته فيها
إن كنت تمنع سعدى من مطالبها
فلست تمنع سعدى من تمنيها
لله نغمة أوتار ومسمعة
باتت تدل على شوقي أغانيها
وقهوة كشعاع الشمس طالعة
أفنيت بالمزج فيها ريق ساقيها