تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نأيت فحرمت الجفون على الكرى

وأغريت دمع العين بالهملان

وأعهد قبل البين قلبي يطيعني

ولكنه يوم الوداع عصاني

وما زال مطبوعا على الصبر قلبا

سواء بعاد عنده وتداني

فما باله يوم النوى سار منجدا

مع الركب في أسر الصبابة عان

فليت طبيبا أمرضتني جفونه

وفي يده منها الشفاء شفاني

وليت غريمي في الهوى وهو واجد

تحرج من ليانه فقضاني

16

ولولا الهوى يا آل خنساء لم يكن

ليملكني منكم خضيب بنان

ولا بت في أبياتكم سائلا قرى

بغير قنا أو طالبا لأمان

أرجي جواد الكف عطف بخيلة

وأخشى حديد القلب فتك جبان

وقبلك ما أنهضت عزمي لحاجة

فأدركتها إلا بحد سنان

وأولى بمثلي أن يكون مهاده

سرير حصان لا سرير حصان

وبي أنف أن أقتضي بسوى الظبى

ديوني إذا غير الحبيب لواني

| الأمر للحب

ومن الشعراء من يتحدث عن صبره المغلوب، ثم يجعل الأمر كله للحب، كما أنشد أحمد بن يحيى:

من كان يزعم أن سيكتم حبه

حتى يشكك فيه فهو كذوب

الحب أغلب للفؤاد بقهره

من أن يرى للستر فيه نصيب

وإذا بدا سر اللبيب فإنه

لم يبد إلا والفتى مغلوب

إني لأبغض عاشقا متسترا

لم تتهمه أعين وقلوب

وفي هذا المعنى يقول الأقرع بن معاذ القشيري في حبيبة غلبته على قلبه، واستأثرت به من بين النساء:

يقر بعيني أن أرى ضوء مزنة

يمانية أو أن تهب جنوب

لقد شغفتني أم بكر وبغضت

إلي نساء ما لهن قلوب

أراك من الضرب الذي يجمع الهوى

ودونك نسوان لهن ضروب

وقد كنت قبل اليوم أحسب أنني

ذلول بأيام الفراق أديب

وقد وضح هذا المعنى كل الوضوح في قول الضحاك:

يقولون مجنون بسمراء مولع

ألا حبذا جن بنا وولوع

وإني لأخفي حب سمراء منهم

ويعلم قلبي أنه سيشيع

ولا خير في حب يكن كأنه

شغاف أجنته حشا وضلوع

ومن العشاق من يخلع العذار؛ لروعة الحسن في محبوبه، وصولة الحب في قلبه، كقول عمارة اليمني:

ظبي أعار الليل طرة شعره

وأمد ضوء الصبح بالإشراق

وسنان ذاب السحر في آماقه

وأذاب ماء الروح من آماقي

كتب الجمال على صحيفة خده

عذر المحب وحجة المشتاق

ما كنت أدرى يوم رؤية وجهه

أن الخدود مصارع العشاق

وأحب أن يتأمل القارئ جمال التصوير في قوله:

وسنان ذاب السحر في آماقه

وأذاب ماء الروح من آماقي

فقد جعل الدمع ذوب الروح، وهو خيال بديع.

1

وعذر المحب الذي كتبه الجمال على خد المحبوب يذكرنا بقول بعض الظرفاء:

يا مليح الدل والغنج

لك سلطان على المهج

إن بيتا أنت ساكنه

غير محتاج إلى السرج

وجهك المعشوق حجتنا

يوم يأتي الناس بالحجج

| حمل السلام

للشعراء فنون مختلفة في نجوى الحبيب البعيد، فمنهم من يقصد إلى غرس الرفق في قلوب أحبابه، بوصف ما هو عليه من الخطر، كقول الطغرائي:

ويا أيها الغادي تحمل رسالة

على ما بها إن الحديث طويل

وقل للألى حلوا الحمى سقي الحمى

عزاءكم فالعامري قتيل

ومنهم من يوصي الرسول بملاطفة المحبوب واستدراجه. وأطرف ما قيل من الشعر في هذا المعنى قول الوأواء الدمشقي:

بالله ربكما عوجا على سكنى

وعاتباه لعل العتب يعطفه

وحدثاه وقولا في حديثكما

ما بال عبدك بالهجران تتلفه

فإن تبسم قولا في ملاطفة

ما ضر لو بوصال منك تسعفه

وإن بدا لكما في وجهه غضب

فغالطاه وقولا ليس نعرفه

وهو مأخوذ من قول عمر بن أبي ربيعة في وصف قوادة:

فأتتها طبة عالمة

تمزج الجد مرارا باللعب

تغلظ القول إذا لانت لها

وتراخى عند سورات الغضب

قيل إن ابن أبي عتيق قال لعمر لما سمع هذا الشعر: ما أحوج المسلمين إلى خليفة يدير أمورهم مثل قوادتك هذه.

1

ولعله تذكر قول معاوية: لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. قيل: وكيف ذاك؟ فقال: إذا شدوا تراخيت، وإن تراخوا شددت.

وقد تلطف إليها زهير في وصية الرسول بقوله:

فيا رسولي إلى من لا أبوح به

إن المهمات فيها يعرف الرجل

بلغ سلامي وبالغ في الخطاب له

وقبل الأرض عني حينما تصل

بالله عرفه حالي إن خلوت به

ولا تطل فحبيبي عنده ملل

وإنك لتضحك بملء فيك حين تتأمل قوله:

مدامع العشاق · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مدامع العشاقص ٤٤