إي والله، سيقولون ذلك، فلنسبقهم نحن بهذا القول مع الاعتراف بأنه عرف هذه الدنيا وشهد هذا الوجود، وأي غرابة في أن يخلق الله رجالا يمثلون العظمة الروحانية، ويظلون على الدهر مضرب الأمثال؟
وقد كان حظ النبي محمد أوفى الحظوظ بين الرسل والأنبياء، فكل نبي قامت من حوله الأساطير، وصورت شمائله بألوان صيغ أكثرها من الخيال، أما النبي محمد فحجته الباقية هي القرآن، وهو كتاب لم يضف إليه سطر واحد بعد موت ذلك الرسول، فهو من الوثائق التاريخية التي يندر أن يكون لها مثيل.
وإلى من نوجه هذا القول؟
أتروننا ندافع عن ذلك الكتاب المجيد؟
ومن عسى أن يكون أعداء ذلك الكتاب؟
وهل كان الملحدون إلا ناسا سخفاء طاشت حلومهم، وظنوا الزيغ من البراقع التي تستر الغباوة والجهل؟
ومن العجب أن نرى بين أعداء القرآن من يعجب بشعر أبي نواس، ويراه صالحا لأن يوضع في الميزان مع أكبر شعراء اليونان.
فأين شعر أبي نواس كله من آية واحدة ستظل أعجوبة البيان في جميع الأزمان؟
وما أدري والله كيف يعقل من يهذي بمثل هذا القول، إلا أن يكون السخف صار من علائم التفوق في هذا الزمن الرقيع!
إن أعداء القرآن لا يعادونه عن عقل، وكيف يعقل من يعادي البدر المشرق، والجبل الركين؟ إنها نزوات تطوف برءوس الممرورين الجبناء الذين توهموا أنه لم يبق للإسلام أوس ولا خزرج، وأن الوادي خلا من الأسد الغضاب، ألا ساء ما يتوهمون.
ومع ذلك سيذهب الملحدون مع الذاهبين، وإن بقيت لهم ذكرى فستكون صورة من صور إبليس، فإن تعللوا بأن الشهرة مغنم عظيم، فليتذكروا أن إبليس سيظل أشهر منهم، وإن قضوا طوال الأعمار في خدمة الإفك والضلال.
سيقول السفهاء من الناس: وما دخل هذا الكلام في مقدمة كتاب المدائح النبوية؟
ونجيب بأننا نصور حالة من أحوال هذا الزمان، فنحن لم نخلق أعداء نحاربهم، وإنما نحارب أعداء نراهم رأي العين، وهم - والله - أحقر من أن نعرض لهم بنقد أو ملام، ولكن حقارتهم لا تمنع المؤمن من وخز صدورهم بلواذع الهجاء، فقديما كان الشيطان الرجيم ملعونا بألسنة المؤمنين.
وما الذي يمنع من حرب الزور والبهتان؟
إن التورع عن لحوم الآثمين ليس إلا ضربا من الجبن، وبفضله استنسر البغاث، وصار للآثمين أشياع وأحزاب.
ومن العجب في مصر بلد العجائب أن تحيا الغيرة على الأطلال، وتموت الغيرة على الحقائق، فلو انتهب حجر من أحجار الكرنك لكان انتهابه نكبة وطنية، وكان الصراخ لضياعه عملا يثاب عليه من يحسن البكاء والعويل.
أما زعزعة الإيمان في هذا البلد، فهي أقل خطرا من سقوط حجر أثري تحرسه وزارة الأشغال؛ لأن رعاية الآثار بدعة عصرية يعرفها الأوروبيون، والأمريكان، أما رعاية العقائد فسنة قديمة سحب عليها الدهر ذيل النسيان.
وما أقول هذا تعصبا للدين - وهو تعصب شريف - وإنما أقوله تعصبا لحقيقة أدبية تغار عليها الأذواق، فليست الثقافة أن نعرف أوهام المشرق والمغرب، وإنما الثقافة أن نعرف ما يجب أن يعرف، وقد آن أن يفهم الغافلون أن الأمة التي يحفظ أطفالها القرآن، هي أهدى من أمثال الأمة التي يحفظ أطفالها أقاصيص لافونتين.
وما أقول هذه الحقيقة وحدي، وإنما يعرفها خلق كثير لا يصدهم عن الجهر بها إلا الخوف من الاتهام بالتعصب والرجعية، وهو اتهام لا أقيم له أي وزن؛ لأن حزب الشيطان أضعف من أن يحسب له حساب.
وقرائي من غير المسلمين لا يسيئهم هذا القول، فليس القرآن ملكا للمسلمين، وإنما هو ملك للإنسانية جمعاء، وكذلك كانت التوراة وكان الإنجيل، وهل كانت الشرائع إلا موارد يفزع إليها الظماء في عالم العقول، والقلوب، والأذواق؟
ونعود إلى موضوع الكتاب فنقول: كانت المدائح النبوية أول الأمر نوعا من المدائح التي تجري على الطرائق الجاهلية، وقد فصلنا ذلك في الفصل الأول من الكتاب، فعرضنا لدالية الأعشى، ولامية كعب، وقصائد حسان، ثم تكلمنا عما وقع في خطب علي بن أبي طالب من المدائح، وبينا كيف نشأ مدح أهل البيت، وكيف ترعرع هذا الفن في البيئات الإسلامية، ثم خصصنا الكميت بدراسة وافية، وهو شاعر فحل شرع للشيعة مذاهب القول، وعلمهم أساليب الجدل والحجاج، وأتبعنا ذلك بفصل عن دعبل، وهو شاعر خبيث اللسان، ولكنه ترك لنا تائية قليلة النظائر والأمثال. ومضينا إلى قصائد الشريف الرضي في صريع كربلاء، وقصائد مهيار في أهل البيت، فأعطينا القارئ فرصة يتعرف فيها إلى طوائف من النوازع الروحية، قل من اهتم بها من الباحثين.