تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك كان الناس - فيما سلف - يعملون لليوم لا للغد، ويحسنون إلى البطون، لا إلى العقول! اللهم إلا أفرادا كانوا يثيبون على الكتب المؤلفة، وربما حسبوا شيئا من مالهم على المساجد يدرس فيها العلم، ويذكر فيها ذو الجلال والإكرام.

تلك أيام خلت، وقد اكتفينا بما لدينا من التكايا والمساجد، ووجب أن تتوجه العزائم إلى الأعمال التي تخلق الأمم خلقا جديدا، وينال صاحبها من كرم الأحدوثة ما لا يذهب به كر الغداة ومر العشي، ولن يتمثل ذلك إلا في إنشاء المعاهد العلمية، والعمل على تكوين العقول، وتهذيب النفوس. وأكثر ما يتضح ذلك في العمل الذي قام به منشئو الجامعة المصرية، التي أخذت منذ سنوات تبعث العلم من مرقده، في هذه البلاد التي كانت نقطة الاتصال بين الشرق الناهض والغرب الهامد، والتي لولاها ما حفظت علوم العرب التي كانت نواة هذه المدنية الفسيحة الأرجاء.

إن الجامعة المصرية لم تعد في حاجة إلى الإشادة بذكرها ليلتفت إليها الناس، ولم يكن أبناؤها بالقليلي العدد حتى يقول قائل: ما الذي صنعته في ترقية البلاد؟ ولكن كلمة واحدة تختلج بين شفتي من حين إلى حين وأريد أن أقول: هل يذكر كل قادم إلى الجامعة المصرية من منتسب أو مستمع أنه ضيف صاحبة السمو الأميرة فاطمة بنت إسماعيل - تغمدها الله برحمته - أو ضيف المرحوم حسن باشا زايد أو أحمد بك شريف، ومن نحا نحوهم في الخروج من بعض ماله لتشييد هذا المعهد الذي تفزع إليه العقول؟! وهل يفكر بعض طلبة الجامعة من الذين قدر لهم أن يكونوا أغنياء أو ذوي دالة على الأغنياء، أن يكثروا من أصحاب الأيادي البيضاء على هذا المعهد بما يبثونه من تبجيل من سهروا عليه وهو وليد؟

أما أنا فلا أملك غير الوفاء، وسأجعل لأولئك الكرام النفوس منزلة من قلبي تعز على من رامها وتطول، وليشهد الله وملائكته والناس أن لكل من مد يده لمساعدة الجامعة المصرية دينا علي قضاؤه الشكران، أين البيان والإفصاح؟ أين الشعر الجميل والنثر البديع؟ أين شعر زهير في هرم بن سنان؟ أين مدائح البحتري للفتح بن خاقان؟

اللهم إني أعجز عن أداء ما علي من واجب الثناء على أولئك الأمجاد، فاكتب لهم عندك ما يطربون لمرآه يوم يبعثون.

دعوة عاشق

رأيت حياة المرء ما بين ساعة

تطيب وأخرى لا تفيق من الهم

فيا رب إما رمت لي العز منعما

ففي قرب من أهوى وبعد أخي اللوم

وإن كان لي فيما قضيت مساءة

فحزن على النائين جيرتي القدم

وإن شئت لي يوما جوارك فلأكن

شهيد الهوى لا نضوهم ولا سقم

وطول حسابي في المعاد على الهوى

فطول أحاديث الصبابة من همي

| أرواح الكتاب

عزيزتي فتحية

وصل إلي خطابك السادس، وكنت جديرا بشكر يمناك الجميلة على ما صنعت أناملها الحسان، ولكني لا أزال أشعر بالوحشة، كأن لم تكتبي إلي حرفا، ولم يصلني منك كتاب! غير أني لا أنكر أن قلبي يخفق في كل صباح، كلما قرب قدوم البريد، ولقد صرت أحسب حملة الرسائل شرذمة من الملائكة، ينقلون السلام من قلب إلى قلب، ويصلون بين النفس والنفس، حتى لقد هممت أن أسبح بحمدهم في أوقات التوزيع! كما يسبح فريق من الناس للشمس عند الشروق.

أجل، لا أزال أشكو الهجر والصدود، فإذا كنت تحسبين أن في هذه الرسائل برءا لقلبي من جواه، وجسمي من ضناه، أو إذا كنت تظنين أن في إرسالها إلي إمتاعا لنفسي التي تكلف بالحسن وتولع بالجمال، أو إذا كنت تأملين أداء ما يفرض الحب على فتاة تعلم أن حياة عاشقها أثر من آثار يديها، كما كانت حياة الزهر أثرا لما للشمس من ضياء، إذا كنت تنتظرين شيئا من ذلك فأنت واهمة يا فتحية، نعم واهمة، وإن ألم فؤادك الذي يفيض بالإحساس. إن الرسائل التي تكتبينها إلي ليست من إملاء قلبك الشفيق، ولكنها كلمات منقولة من الروايات التي يتراسل فيها المحبون. على أن الرسائل التي تكتب في القصص على هذا النحو لا تمثل أفئدة الأوانس؛ لأن كتابها رجال يتمثلون عواطف النساء! فهم مقلدون وحاكون! وإنه لمن المخجل أن يملأ عالم الأدب بتقليد التقليد! فأنت تمثلت عواطف رجل كان تمثل عواطف امرأة! وجدير بخطاب هو تمثيل لتمثيل أن ينال من قلب القارئ ما ينال الحديث المعاد.

البدائع · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البدائعص ٧