كل ما في الأزهر من علم، وكل ما فيه من أدب؛ إنما هو من آثار الذكاء الذي قبره الزمن في تلك البقعة المحجوبة عن النور والضياء، وليس لتلك الإدارة المهدمة الجوانب غير ما نراه من عموم الجمود، وشمول الخمود، فمتى يبعث الله لهذا البيت العتيق من يأخذ بيده من تلك الهوة التي تردى فيها بفضل ما لأبنائه من عقوق؟ ومتى يتحقق الأمل في عشرين ألفا من الرجال قضى عليهم الجد العاثر والنجم الآفل، أن يكونوا وقودا للهيب الهمجية؟
اللهم غفرا! يزهر العلم في كل بلد، ويتقدم أهله في كل قطر، ويكون حظ الأزهر من بين جامعات العالم كحظ مصر من بين الأمم، ثم يعيش الأزهريون عيشة النائمين، لا هم أحياء فينتفعوا بما في الكون من مظاهر الحياة، ولا هم أموات فيحظوا بما بعد الموت من نعيم.
تلك آمالنا قضى عليها الإهمال، وهذي آلامنا يضاعفها إصرار «المصلحين» على دفننا أحياء في تربة اليأس القاتل، ولكنا سندفنهم - بحول الله - فيما ندفن من بقايا الخمول، فهل أدلكم على سبيل النجاة أيها الرفاق المتألمون؟
عليكم بالنظر في كتب المتقدمين من الشرقيين، والمتأخرين من الغربيين، ثم اتركوا الحثالة التي جاءت بين هذين العهدين لحضرات الزاهدين في التجديد، إنكم إن فعلتم ذلك ظهرتم عليهم، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا.
4
لقد آن للأمة المصرية أن تنظر في نظام الأزهر وحياة الأزهريين؛ فإنه لم يبق شيء من خرافات العصر المنصرم، يوم كان الناس يظنون أن الأزهر باب الرحمة، ويوم كانوا يحسبون أن الجلوس في حلقات العلم ضمان من الفقر وأمان من النار، ويوم كان العامة ينسبون لشيخ الجامع حركات الأفلاك ونظام الكواكب؛ كل ذلك قد تبدل، وأصبح الناس أمام أمر واقع، وهو أن الأزهر معهد علمي يجب أن ينال من الأنظمة النافعة ما يضمن له البقاء والثبات.
جالس من شئت من العلماء، وحادث من أردت من الطلاب، فلن تجد غير اليأس القاتل، والهم الشامل، ولن ترى لهم من أمل في غير الحياة الثانية، وهم الذين خلقوا ليكونوا زينة الآخرة والأولى.
هل تتفضل المشيخة الجليلة فترينا قائمة الأعمال التي أصلحت بها نظام الأزهر في العهد الأخير؟ وهل يتفضل القائمون بالأمر فيفصحوا لنا عن نياتهم في الإصلاح المنشود؟ وهل هم جماعة منهم بدرس نظام الجامعات، حتى يعرفوا ما هم عليه، وما يحتاجون إليه؟ وهل راقبوا الله في النفوس التي قضى عليها أن تكون تحت إدارتهم؟ وهل فكروا في نتائج التهاون الذي يرتعون في أرجائه الفسيحة؟ ثم هل آن لهم أن يعرفوا أن الأزهر إنما أنشئ ليكون مصدرا للسعادة، لا منبعا للشقاء؟
أيروقكم أن نحسبكم مشغولين بما أسبغ الله عليكم من النعمة، كما يتحدث بذلك من يتأمل في حاضر الأزهر وماضيه، فهل أنتم ناظرون فيما مني به هذا المعهد من التأخر والانحطاط؟ وهل تبيض وجوهكم أمام الله وأمام الناس وأمام التاريخ بما تعتزمون المضي فيه من إلحاق الأزهر بالجامعات التي سامته بما سلف حتى سمت عليه؟ وهل نجد في المستقبل الباسم، ما ننسى به هذا الحاضر العابس؟
لقد طفح الكيل وأغرقت الأماني في بحور اليأس، وأصبح الأزهريون وكأنهم من أمة غير هذه الأمة، وقطر غير هذا القطر، وإلا فلماذا يحرمون وحدهم مما يتمتع به غيرهم من الأمل الضاحك والعيش الوادع؟
هذه كلمات نكتبها ونحن آسفون، وكنا نود لو أن شيوخنا أغنونا عن التفكير في غير العلم، ولكنهم أرادوا أن لا نقرأ صحيفة في كتاب إلا ونحن محزونون، وأن لا نخط سطرا في صحيفة إلا ونحن متألمون.
فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى
عليهم وهل إلا عليك المعول
5
رغب المسيو فرناند فور الأستاذ بجامعة باريس ورئيس الجامعة التي استقدمت لامتحان الحقوق الفرنسوية بمصر أن يزور الأزهر الشريف، فسألني حضرة أستاذي المسيو باباني المحامي أن أرافقه في هذه الزيارة، فقبلت ذلك، واقترحت تأخير الزيارة أسبوعا حتى يعود الطلبة إلى الدروس، وكانوا - إذ ذاك - في مسامحة المولد النبوي، وحددنا للزيارة يوم 27 نوفمبر سنة 1920، في اليوم الثاني من عودة الدراسة، وكنت أظن أن الدروس إن لم تكن تكاملت في اليوم الأول فلا بد أن تتكامل في اليوم الثاني، ولكن خاب هذا الأمل وتبين أن الأزهر لا يزال مطلق العنان، وأن الطلبة إلى الكسل مخلدون!