من بنات الروم لا يكذبنا
لونها المشرق عن منصبها
فهي حسب العين من نزهتها
وهي حسب الأذن من مطربها
تشرع الألحاظ في وجنتها
فتلاقي الري في مشربها
وإذا قامت إلى ملعبها
كمهاة الرمل في ربربها
سألت أعطافها أردافها
هل رأت أوطأ من مركبها
وكأن الحسان في هذا المرقص لا يستطعن الرقص منفردات، وكأن أقدامهن الصغيرة، لا يستطعن حمل أردافهن الخطيرة، فلكل فتاة فتى يطوق بيمناه خصرها النحيل، ويسند بيسراه خدها الأسيل، ثم يسير بها ضاحكة الثغر، ناعسة الجفون، وكل في فلك يسبحون.
يا ليت شعري وليت غير مجدية
إلا استراحة قلب وهو أسوان
لأي أمر مراد بالفتى جمعت
تلك الفنون فضمتهن أفنان
تجاورت في غصون لسن من شجر
لكن غصون لها وصل وهجران
تلك الغصون اللواتي في أكمتها
نعم وبؤس، وأفراح وأحزان
وكان «عفريت الليل» يوصيني بوصف تلك الليلة قبل أن تعزب عن البال، رويدك يا صاح، وكيف تنسى ليلة هي أنموذج لنعيم الجنة دار الخلود، وهل أنسى أني ما نظرت أمامي أو عن يميني أو عن شمالي إلا رأيت الحسن منثورا نثر النجوم الزهراء، في القبة الزرقاء، أو نثر الزهور البيضاء في الروضة الغناء؟
لما مشين بذي الأراك تشابهت
أعطاف قضبان به وقدود
في حلتي حبر وروض فالتقى
وشيان وشي ربى ووشي برود
وسفرن فامتلأت عيون راقها
وردان ورد جنى وورد خدود
وضحكن فاعترف الأقاحي عن ندى
غض وسلسال الرضاب برود
ولحظة واحدة، في تلك الجنة العالية، تنسيك الدين والأخلاق، ويكذب ثم يكذب من يزعم أنه لم يحسد أولئك الذين أنعم الله عليهم فخاصروا من يعشقون، على مسمع من الرقيب، ومرأى من الحسود.
ألا ليقل من شاء ما شاء إنما
يلام الفتى فيما استطاع من الأمر
ولم يكن الحسن في ذلك المرقص قاصرا على الراقصات، فقد كان الفندق يموج موجا بالرائحات الغاديات:
من كل ضاحكة الترائب أرهفت
إرهاف خوط البانة المياس
فإذا مشت تركت بقلبك ضعف ما
بحليها من كثرة الوسواس
وما زلت أحدق عيني في كل رائحة وغادية، حتى تألمت عيناي، فكأنما أطالع ذكاء، في كبد السماء، وكنت كلما بهرتني الثغور الضواحك وأسرتني العيون الفواتك، أفكر في جناية الجمال، على عشاق الجمال وعلى أهل الجمال، ثم أفكر في فضل الجمال، على أعداء الجمال؛ ففي العالم مئات الألوف من القسيسين والرهبان والعلماء، تصرف عليهم المرتبات؛ لأنهم يلقون الخطب الرنانة في ذم الجمال، وأهل الجمال، وعشاق الجمال.
مر بخاطري ذلك وأنا في فندق الهيليوبوليس، فعرفت أنه كلما وجدت الرذيلة وجد موجب للدعوة إلى الفضيلة، ووجد الوعاظ ما يأكلون، ثم استسلمت إلى التفكير العميق.
والآن في الساعة الثانية بعد نصف الليل، وقد مضى على تلك الليلة ست ليال؛ أفكر من جديد في جناية الجمال، على عشاق الجمال، وعلى أهل الجمال، ثم أطيل التفكير في فضل الجمال، على أعداء الجمال.
تعرض رسل الشوق والركب هاجد
فتوقظني من بين نوامهم وحدي
وما شرب العشاق إلا بقيتي
ولا وردوا في الحب إلا على وردي
| تعلة الكريم
وصحب من البيض الثياب تطلبوا
ودادي فلم يهمم بطردهمو مجدي
منحتهمو ودي، فلما تملكوا ...
فؤادي، هفوا هفو الذباب على الشهد
فما تركوا وفرا لدي لمعتف
يصان به عرضي، ويورى به زندي
فلما تولوا بالتليد وأبصروا
فتى الجود مثل السيف سل من الغمد
أباحوا حمى لا يقبل الضيم ربه
وتخشاه يوم الروع صائلة الأسد
لعمري لئن ولوا بوفري فاغتدوا
بطانا، وخانوا من سفاهتهم عهدي
لقد خدعوا شهما يغر على الندى
فيسخو بلا من ويعطي بلا وعد
ومن عجائب ما يمنى الرجال به
مستضعفات لهم منهن أقران
مناضلات بنبل لا تقوم له
كتائب الترك يزجيهن خاقان
يا رب حسانة منهن قد فعلت
سوءا وقد تفعل الأسواء حسان
تشكو المحب وتلفى الدهر شاكية
كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان
وهذا المرقص ملتقى المحب والمحبوب، وليس العاشق في حاجة إلى أن يكون كابن المعتز حين يقول: