| فيه قولان!
ألح بعض الأدعياء على أبيه أن يدعي العلم! وزوده بهذه النصيحة، إذا سئلت عن شيء لم تعرف وجه القول فيه فليكن جوابك: «فيه قولان»، فسمع الوالد نصيحة ولده البار، وكان الناس قديما قلما يعنون بغير المسائل الفقهية والنحوية، فسأله سائل عن طهارة الكلب! فأجاب: فيه قولان، فقالوا: صدق؛ لأنها موضع خلاف بين الشافعية والمالكية، وسأله آخر: أيرفع الخبر أو ينصب بعد «ما»، فأجاب: فيه قولان، فقالوا: صدق؛ لأن فيها خلافا بين الحجازيين والتميميين.
وكان في المجلس رجل ماكر ظريف لحظ أن هذا الرجل جاهل، وأنه ينفذ خطة رسمت له، فسأله: أفي الله شك؟ فأجاب المسكين: فيه قولان.
فجاء ابنه - رضي الله عنه - وقال: صدق في جوابه فإن فيها قولين في الإعراب، ولكن هيهات أن تغني المغالطة بعد أن ضحك الناس من عمامة أبيه. وهكذا تجري الحال في مصر، فكل مشكلة لها وجهان، وكل أمر فيه قولان، ولا يعلم إلا الله متى يعرف المصريون كيف تحدد نقاط الخلاف.
| بعثة البنات
انفرجت مسافة الخلف في هذه الأسابيع بين أنصار وزارة المعارف وأنصار طلعت بك حرب، الذي يرى العدول عن إرسال البنات إلى أوروبا لإتمام الدراسة، ولقد جاء في أحد الردود المتبادلة كلمة حقة هذا نصها: «وحتى لو أن كل من أرسلتهن المعارف إلى أوروبا عدن كما ذهبن مصونات الأخلاق سليمات الاعتقاد؛ فليس هذا سببا للمجازفة بغيرهن»، وهي كلمة تذكرنا بقول كليلة ودمنة: «إن من وطئ الحية فلم تلدغه، فليس خليقا أن يطأها مرة ثانية وإلا عرض نفسه للهلاك.»
والذي نعرفه أن القائلين بالحرية المطلقة للمرأة لا يؤمنون في أنفسهم بأصول الآداب والأخلاق، فخير لمناضليهم أن لا يجعلوا الفضيلة والدين أساس الحكم في هذا الموضوع.
| غريب اللغة
اجتهد الكتاب أخيرا في تنقية الكتابة من غريب اللغة، وهي سيئة عدوها حسنة؛ لأن النزول إلى الكلمات المألوفة سيصل بنا قريبا إلى وضع اللغة في نطاق ضيق وفقا لأفهام كثير من الناس! ومن المعروف أن غرابة الكلمات ترجع إلى قلة تداولها وانتشارها في المؤلفات والأحاديث، فمتى هجرت الكلمة لوجود ما هو أقرب منها إلى أذهان القارئين والسامعين، فإنها تصير - بعد حين - غريبة لا يعرفها إلا القليل، ثم تصبح القواميس أشبه شيء بالمتاحف الأثرية لا يرجع إليها غير عشاق العاديات من علماء اللغات.
ولعل أحسن وسيلة لتقريب الجماهير من الكلمات الغريبة، هي أن لا ينفر منها الكاتب حين تعرض له، بل يجمل بها كلامه، ثم يضع لها تفسيرا في هامش الصحيفة ليقف القارئ على مدلولها المراد، فإذا جرى هذا باطراد في صحيفة يومية أو أسبوعية فإن قراءها يألفون كثيرا من الكلمات الغريبة في زمن قليل.
ومما يلفت النظر أن جريدة الأهرام حين نشرت قصيدة حافظ في ذكرى الشيخ محمد عبده، كتبت في الهامش تفسيرا لكلمة رتيب في قوله في وصف القبر:
مضجع لا يشتكي صاحبه
شدة الدهر ولا شد الخطوب
لا ولا يسئمه ذاك الذي
يسئم الأحياء من عيش رتيب
أيدري القارئ كيف فسرت كلمة رتيب؟ إنها قالت ما نصه: «رتيب على وتيرة واحدة، مونوتون» ومونوتون هذه كلمة فرنسوية! فهل رأى الناس أو سمعوا أن الكلمات العربية تفسر بذكر مقابلها في الفرنسوية، ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق.
وإذا كان من الأدباء من لا يستكثر ذكر المقابلات الدخيلة أو الأجنبية، فما الذي يضيرنا إذا فسرنا كل كلمة نظنها غريبة أو قليلة الذيوع، لتزيد ثروتنا اللغوية بقليل من العناية، وإن الصدر ليضيق حين نجد من الصحف من يقول: «صورة رمزية كاريكاتيرية وهي رطانة ثقيلة لا تسيغها الآذان!»
أين امرؤ القيس والعذارى
إذا مال من تحتها الغبيط
استنبط العرب في البوادي
بعدك واستعرب النبيط
ومما يؤسف له، أن كثيرا من الناس لا يجدون سبيلا إلى إفهام القراء أنهم يعرفون لغة أجنبية غير حشو كتاباتهم بالألفاظ الفرنسوية أو الإنجليزية، وفاتهم أن أشرف سبيل إلى ذلك هو تعريب الكتب القيمة، ونقل الآراء الطيبة، ليدل الناقل أو المعرب على أنه يستفيد مما يطلع عليه من آثار الفرنجة. وشر ما نعرف في هذا الباب أن من الناس من لم يدرك غير الحروف العربية، ولكنه مع ذلك يغرب في حشو كتابته بالألفاظ الأجنبية كأنها سر من أسرار البيان!