تعريف الخلق
نرى الغزالي في ص56 من «الميزان» يعرف الخلق الحسن بأنه إصلاح القوى الثلاث: قوة التفكير، وقوة الشهوة، وقوة الغضب، ونراه في ص64 منه يعرف الخلق الحسن بفعل ما يكره المرء. ويستشهد بالحديث: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات.» وبالآية
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم
1
ونراه يقول في ص47: «وأما حسن الخلق فبأن يزيل جميع العادات السيئة التي عرف الشرع تفاصيلها ويجعلها بحيث يبغضها فيتجنبها كما يتجنب المستقذرات، وأن يتعود العادات الحسنة ويشتاق إليها فيؤثرها ويتنعم بها».
وإنما ذكرنا هذه التعاريف المبهمة، التي لا تغني شيئا في التحديد، لندل على ميل الغزالي إلى الخطابيات، فقد لا تخلو منها صفحة من كتبه في الأخلاق.
ولكنه في ص56 ج3 إحياء عرف الخلق تعريفا دقيقا فقال: «الخلق عبارة عن هيئة في النفس راسخة، عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلا وشرعا، سميت تلك الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا.» ثم ذكر أن الخلق ليس هو فعل الجميل أو القبيح، ولا القدرة على الجميل أو القبيح، ولا التمييز بين الجميل والقبيح. وإنما هو الهيئة التي بها تستعد النفس لأن يصدر عنها الإمساك والبذل. ثم قال: فالخلق إذن هو عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة.
الفصل الأول
| تربية الخلق
ليس للغزالي رأي محدود في الفطرة البشرية: فهو تارة يراها خالصة تصلح لكل شيء، وتقبل كل صورة، وتارة يراها أميل إلى الخير منها إلى الشر. يدل على ذلك قوله: «وإذا كانت النفس بالعبادة تستلذ الباطل وتميل إليه وإلى القبائح، فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه، والتزمت المواظبة عليه؟ بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع، يضاهي الميل إلى أكل الطين، فقد يغلب على بعض الناس ذلك بالعادة، فأما ميله إلى الحكمة وحب الله تعالى، ومعرفته، وعبادته، فهو كالميل إلى الطعام والشراب: فإنه مقتضى طبع القلب، لأنه أمر رباني، وميله إلى مقتضيات الشهوة غريب عن ذاته، وعارض على طبعه.» ص63 ج3.
وما نريد أن نناقش هذا الرأي بأكثر من أن نلفت النظر إلى أن الميل إلى مقتضيات الشهوة لا يبعد كثيرا عن الميل إلى الطعام والشراب، فهو جزء من الفطرة البشرية، كما أن الميل إلى الخير جزء من الفطرة البشرية، وإنما توجه النفس بمقتضى الظروف. فكما أن المرء لا يشتهي في كل لحظة أن يكون خيرا أو شريرا، وإنما يظهر ميله إلى الخير حين يوجد موجب الخير، ويظهر ميله إلى الشر حين يوجد موجب الشر. بل قد تقوى الموجبات حتى ترد الرشيد غويا أو ترد الغوي رشيدا. ولولا صلاح الفطرة للخير والشر لما احتجنا الى تربية الأخلاق.
كيف يربى الخلق
يرى الغزالي أن من الناس من ولد حسن الخلق بفطرته، بحيث لا يحتاج إلى تعليم، ولا إلى تأديب كعيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، عليهما السلام، وكذا سائر الأنبياء. ولا يبعد فيما يرى أن يكون في الطبع والفطرة ما قد ينال بالاكتساب، فرب صبي خلق صادق اللهجة سخيا جريئا.
وما أريد أن أناقش الغزالي في حكمه بأن الأنبياء لا يحتاجون إلى التعليم والتأديب، ويكفي أن أذكر أن عصمة الأنبياء - في غير تبليغ الرسالة - كانت مما اختلف فيه العلماء، وأن في القرآن شواهد كثيرة على غفران ما تقدم وما تأخر للنبي
صلى الله عليه وسلم
من الذنوب.
والطريق إلى تربية الخلق فيما يرى الغزالي هو التخلق: أي حمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب. فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود فعليه أن يتكلف فعل الجود: وهو بذل المال، حتى يصير ذلك طبعا له.