غير أنه لا يصح لنا أن ننسى أن هناك أسبابا لنشوء الضمير، فالفلسفة توجد لدارسها نوعا من الشعور بالمسئولية إزاء بعض الجوانب، والأخلاق توجد للباحث فيها نوعا من إدراك الواجب، والشريعة كذلك تورث المتدين بها نوعا من الوجدان.
ولا نبعد عن الصواب إذا قررنا أن الغزالي يؤمن بالنوع الأخير من الضمير، وإن لم ينوه به، ولم يختصه بالبيان. وإليك قوله في ص85 ج1 من الإحياء: «ومنها أن يكون اعتماده في علومه على بصيرته، وإدراكه بصفاء قلبه، لا على الصحف والكتب ولا على تقليد ما يسمعه من غيره.» وقد ردد في كتبه هذا الحديث «الإثم ما حاك في صدرك، وإن أفتوك وأفتوك» وليس ذلك إلا إشادة بهذه الحاسة الباطنية التي يفزع المرء إليها عندما يلتبس عليه وجه الصواب. إلا أنه يجب أن نعرف أن نص الشريعة من كتاب أو سنة هو عنده فوق الفتوى وفوق الضمير.
والحق أن الضمير لا وجود له في ذاته، حتى نؤاخذ الغزالي بإغفاله، وإنما ينشأ من الشرائع الوضعية والسماوية. حتى إنك لتجد لكل شعب ضمائر تخصه بالذات، حسبما توحي التقاليد. فمثلا جريمة السرقة كانت فضيلة عند بعض الشعوب، وكان من تنقصه فيها المهارة عرضة لاحتقار الرأي العام، ولذع الضمير! ونهب مال الغريب لا حرج فيه عند فريق من القبائل البربرية، فمن الواضح أنهم لا يقاسون عند نهبه تأنيب الضمير. بل الشخص الواحد يختلف ضميره باختلاف سنه، فيكون ضميره في سن العشرين، أضعف أو أقوى منه في سن الثلاثين، حسبما توجب الظروف. ومن هنا صح لشاعر أن يقول:
يقولون هل بعد الثلاثين ملعب
فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب؟
كما صح لغيره أن يقول:
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه
فلما علاه قال للباطل أبعد
وعندي أن فكرة الضمير إذا صح أن تكون عامة، فيجب أن تقصر على المنافع البشرية. على معنى أن الضمير هو الحاسة التي تتألم لما يتوجع له الإنسان من حيث هو إنسان، بغض النظر عن دينه ووطنه ومذهبه. فإن للإنسانية وشائج لا ينال منها اختلاف المذاهب، ولا تباين اللغات، ولا تباعد الأقطار.
الفصل الرابع
| الأغراض والنتائج
هل يكون العمل خيرا باعتبار نتيجته، أو باعتبار المقصود منه؟ وبعبارة أوضح: هل يكون خيرا لأني أردت به الخير، أو لأنه أنتج الخير، وإن لم أرد ذلك؟
ويظهر أنه لاستخلاص رأي الغزالي في الجواب على هذا السؤال، ينبغي أن نسايره في الأعمال المختلفة، لنعرف رأيه في كل نوع منها على انفراد.
وقد رأيناه يقسم أعمال الإنسان إلى طاعات ومعاص ومباحات. أما الطاعات فلا تكون خيرا إلا بالنية، وهي الغرض في التعبير الحديث. ويقول في ذلك: «إن العمل تابع للباعث عليه فيكتسب الحكم منه. ولذلك قيل: «إنما الأعمال بالنيات» لأنها تابعة لا حكم لها في نفسها وإنما الحكم للمتبوع.» وهو يستنتج بناء على هذا الأساس أنه لا قيمة للصوم إذا أراد الصائم الانتفاع بالحمية، ولا للعتق إذا أراد السيد أن يتخلص من مؤونة عبده، ولا للحج إذا أراد المرء أن يصح مزاجه بالحركة والانتقال، ولا للغزو إذا أحب الشخص أن يتعلم أسباب الحروب؛ لأن النية لا تصح عند الغزالي إلا إذا خلصت من الشوائب، وتقرب العبد بها إلى الله. ولا مانع عنده من وجود باعث آخر، ويسميه الباعث النفسي، على شرط أن يكون أضعف من الباعث الأصلي، فإن كان مساويا له صار العمل لا له ولا عليه كما يقول. وإن كان أقوى منه فهو مضر ومفض للعقاب.
والغزالي ينصح بالتدبير قبل الشروع في الطاعة ليعرف المرء أي الباعثين أقوى: باعث النفس أو باعث القربة، وأي النصيبين أوفى: نصيب الله أم نصيب الشيطان. ولكنه يقول: «ومع هذا فلا ينبغي أن يترك العمل عن خوف الآفة والرياء فإن ذلك منتهى بغية الشيطان منه، إذ المقصود أن لا يفوت الإخلاص. ومهما ترك العمل فقد ضيع العمل والإخلاص جميعا».