وقال أيضا: «الفائدة السابعة من فوائد الجوع: تيسير المواظبة على العبادة، فإن الأكل يمنع كثرة العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل، وربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام وطبخه، ثم يحتاج إلى غسل البدن والخلال، ثم يكثر ترداده إلى بيت الماء لكثرة شربه والأوقات المصروفة إلى هذا لو صرفها إلى الذكر والمناجاة وسائر العبادات لكثر ربحه».
ففي الكلمة الأولى نراه يدعو إلى تقليل كمية الطعام حتى تصل إلى حمصة، وتطويل المدة حتى تصل إلى عشرين يوما أو أربعين، ثم يعد هذه الرياضة رتبة عظيمة. فيا ليت شعري، أيرضى بذلك العقل، وهو لا يرضى بأقل من أن يكون المرء حيا، فيه فضائل الحياة من قوة ونشاط؟ أم يرضى بذلك الشرع، وهو لا يرضى بأقل من أن يكون الرجل جنديا يضرب في الأرض، ويحرس الثغور، ويرعب القوم الكافرين؟
وفي الكلمة الثانية يصف عيسى بما لا ينبغي أن يوصف به الأنبياء، وإلا فكيف ينبغي لنبي أن يناجي ربه ستين صباحا بلا طعام وهو مسؤول عن الدعوة إلى دينه، وقلما ينجح في الدعوة ضعيف؟ هذه جرأة في وصف الأنبياء والمرسلين، فما أحسبهم إلا رجالا أشداء تمت لهم صفات الفتوة والرجولة، أما هذه الرهبنة التي تصورها الغزالي فلا تنتج غير الضعف والخمول، وما كان الأنبياء كسالى ولا واهنين.
وفي الكلمة الثالثة يستكثر على المريد أن يضيع وقتا في شراء الطعام وطبخه، ثم غسل يده، وتخليل أسنانه، وما أدري كيف يسير الناس، إذا قاسوا الخير والشر بهذا المقياس!
الواقع أن الغزالي وضع مؤلفاته في الأخلاق مشربة بنزعة صوفية بل صرح بأن مدار أكثر كتابه الميزان على مذهب التصوف. والتصوف ليس مذهب الأحياء، ولكنه مذهب الأموات. وما ظنك بمذهب يجيز للغزالي أن يصور للنظر للمستقبل بهذه الصورة المنكرة حين يقول: «وأرفع الدرجات درجة من لا يلتفت إلى غده ويقصر همته على يومه ويومه على ساعته، وساعته على نفسه، وقدر نفسه كل لحظة مرتحلا من الدنيا أو مستعدا للارتحال».
وما أظن أمة تفهم الأخلاق هذا الفهم، ثم تقدر على الجلاد في عالم الأحياء. ولم يبعد من وصف الأخلاق في رأي الغزالي بأنها أخلاق العبيد!
الفصل الثاني
| الإرادة
1
وردت كلمة الإرادة في كتب الغزالي لأغراض متعددة: فتارة يريد بها السلوك في طريق الله، ومنها المريد الذي يرد كثيرا في كلامه ويريد به السالك في ذاك الطريق، طريق الصوفية.
وللإرادة بهذا المعنى شرط يتقدمها: وهو رفع السد الذي بين المريد وبين الحق، وهذا السد فيما يرى الغزالي أربعة أشياء: المال، والجاه، والمعصية، والتقليد.
ويرفع حجاب المال بخروج المريد عن ملكه، حتى لا يبقى له إلا قدر الضرورة. ويرفع حجاب الجاه بالبعد عن مواطنه مع إيثار الخمول. ويرفع حجاب التقليد بترك التعصب للمذاهب. أما المعصية فلا يرفعها إلا التوبة، والندم، والعزم على عدم العود والخروج من المظالم.
والتجرد من هذه الحجب فيما يرى الغزالي كالتطهر للصلاة ولا بد للمصلي من إمام. فكذلك لا بد للمريد من أستاذ، وقد وضع عدة آداب للمريد مع أستاذه، وليس ذلك مما يعنينا الآن. ويكفي أن يعرف القارئ ما يقصد من كلمة مريد التي يكثر دورانها في «الميزان» و«المنهاج» و«الإحياء».
2
وتارة يذكر الإرادة ويريد بها ما ينبعث عن المعرفة ويسخر القدرة، والإرادة بهذا المعنى هي المقصودة عند علماء الأخلاق. ولها عند الغزالي أسماء مختلفة: فنراه حينا يسميها القوة العاملة إذ يقسم قوى النفس الإنسانية إلى قوة عالمة، وقوة عاملة، ويذكر أن الثانية «هي قوة ومعنى للنفس هو مبدأ حركة بدن الإنسان إلى الأفعال المعينة الجزئية المختصة بالفكر والروية على ما تقتضيه القوة العالمة النظرية» الميزان ص26.
ونراه حينا آخر يسميها النية. ويعنونها كذلك في الأربعين والإحياء. فلو أنك نظرت في الفهرست لتعرف في أي موضع تكلم عن الإرادة، ثم نظرت في الفصل الذي شرحها فيه، لما رأيتها الإرادة التي يتكلم عنها الأخلاقيون، وإنما رأيتها الإرادة التي عناها الصوفية، واشتقوا منها كلمة مريد. فأما الإرادة التي هي من موضوعات الأخلاق، فاسمها عند الغزالي النية، وله في شرحها كلام طويل.