تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورسائل إخوان الصفا تحتاج إلى درس طويل لمعرفة ما فيها من الأغراض الفلسفية، والدينية، والسياسية، ويكفي أن يعرف القارئ أن الغزالي اطلع على هذه الرسائل، واستفاد منها، وإن صب على أصحابها جام سخطه وغضبه، لأن استفادة المرء من كتاب لا تتوقف على حبه لصاحبه، بل صرح الغزالي بأنه أقبل في أول حياته العلمية على درس ما عرف لعهده من المذاهب والآراء.

الفارابي

هو أبو نصر محمد بن طرخان. وهو فارسي من بلدة تسمى فاراب من بلاد خراسان، جاء إلى بغداد. وأخذ علم المنطق عن أبي بشر متى بن يونان النصراني الذي توفي سنة 328ه، ثم انتقل إلى مدينة حران وتعلم بها الفلسفة، وعاد بعد ذلك إلى بغداد، ثم رحل إلى دمشق وأقام بها أيام سيف الدولة بن حمدان.

قال سلطان (بك) محمد في محاضراته بالجامعة المصرية: «وهو في مقدمة الفلاسفة الإسلاميين الذين طالعوا كتب أفلاطون وأرسطو ووقفوا على أغراضها، وأحسنوا فهمها، يدل لذلك ما حكاه الشيخ الرئيس من أنه عرف غوامض الفلسفة، ووقف على مقاصدها، واستظهر القسم الإلهي منها ولم يقف على حقيقة أغراضه ومباحثه، فسئمته نفسه. وكان ذات يوم لدى الوراقين ومر عليه دلال كتب، وبيده مجلد، وقال له: اشتر هذا. فلما علم أنه في الفلسفة الإلهية، قال لا حاجة لي به. فقال له الدلال: إن صاحبه محتاج إلى بيعه، ويطلب به ثمنا قليلا. وأبيعكه بثلاثة دراهم. قال فأخذته ووجدته تأليف أبي نصر الفارابي، فلما قرأته وقفت منه على أغراض ذلك العلم وفهمته بعد أن مللت الاشتغال به ويئست من فهم أغراضه».

وكان معشوق الفارابي من فلاسفة اليونان أرسطو، حتى قيل إنه وجد كتاب النفس لأرسطو وعليه بخط الفارابي: «إني قرأت هذا الكتاب مائة مرة» ولكثرة شرحه لآراء الفلاسفة لقب بالمعلم الثاني كما لقب أرسطو بالمعلم الأول. وسئل: أنت أعلم أم أرسطو؟ فقال: لو أدركته لكنت أكبر تلاميذه. وتوفي الفارابي رحمه الله سنة 339ه وهو يناهز الثمانين.

وللفارابي آثار كثيرة عدا عليها الفناء، ومن مؤلفاته الباقية «آراء أهل المدينة الفاضلة» وهو يحاكي فيه جمهورية أفلاطون.

وقد انتفع الغزالي بمؤلفاته، وإن حكم بكفره مجازفة وبلا دليل.

ابن سينا

هو الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا أشهر فلاسفة المسلمين، توفي سنة 428ه وسنه 58 سنة. وكان من أمهر الأطباء وكتابه «القانون» كان العمدة في الطلب في القرون الوسطى عند الشرقيين والغربيين. وقد عني العرب ببسط آرائه الفلسفية، وبشرح ما دون في الأخلاق، وطبائع النفوس.

ولا ريب في أن الغزالي انتفع بمصنفاته، وإن جازاه جزاء سنمار حيث حكم بكفره، مجاراة للعامة، وطاعة للهوى؛

وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

ابن مسكويه

ومن الفلاسفة الذين انتفع الغزالي بآرائهم في الأخلاق ابن مسكويه: أبو علي أحمد بن محمد المتوفى سنة 421ه. وهو من فلاسفة المسلمين وله عدة كتب في الأخلاق، أشهرها كتابه المسمى: «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»، وهو يقع في 185 صفحة، ويقول في مقدمته: «غرضنا في هذا الكتاب أن نحصل لأنفسنا خلقا تصدر به عنا الأفعال كلها جميلة، وتكون مع ذلك سهلة علينا لا كلفة فيها ولا مشقة، ويكون ذلك بصناعة وترتيب تعليمي، والطريق في ذلك أن نعرف أولا نفوسنا ما هي وأي شيء هي، ولأي شيء أوجدت فينا، وما قواها وملكاتها التي إذا استعملناها على ما ينبغي بلغنا بها هذه الرتبة العلية ... إلخ».

وابن مسكويه هذا ينقل عن الفلسفة اليونانية بطريقة صريحة، لا لف فيها ولا مداراة، فهو من مجددي فلسفة اليونان مع الحرص بقدر ما يمكن على موافقة الشريعة الإسلامية، وكتابه الذي نوهنا عنه له أثر كبير في تكوين الغزالي من الوجهة العقلية، وقد هممت بوضع مقارنة بين كتابه ذاك وبين كتاب الإحياء، ثم رأيت أن هذا باب إذا أطلته طال، واستنفد وقتا أنا محتاج إليه في غيره من الأبواب، فلأكتف ببعض فقرات نقلها الغزالي عن ابن مسكويه نقلا يشبه أن يكون حرفيا، من غير أن ينوه بالكتاب الذي نقل عنه، وما أدري أكان ذلك مقصودا أو غير مقصود، ولكنه على كل حال دليل على تأثر الغزالي بمؤلفات ابن مسكويه، وإلى القارئ البيان: (1)

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ٢٣