الأبيوردي
هو أبو المظفر محمد بن أحمد الأبيوردي، تفقه على إمام الحرمين، وشهد له أهل زمانه بحسن العقيدة - وكذلك كان العلماء دائما في حاجة إلى شهادة عامة لهم بحسن العقيدة كأنما الدين خرافة يسيغها العام وينكرها الخواص - وكان الأبيوردي يرى نفسه أولى بالخلافة وأحق بها من سواه، وقد جرت له هذه النزعة بلايا كثيرة، اضطر بسببها إلى مفارقة بغداد، فرجع إلى همذان واشتغل بالتدريس والتأليف، ثم توفي مسموما بأصبهان في ربيع الأول سنة 507.
وكان الأبيوردي بارع الشعر، وله في الصبر على أحداث الدهر آيات بينات، ويندر أن نجد أديبا لا يحفظ قوله:
تنكر لي دهري ولم يدر أنني
أعز وأحداث الزمان تهون
فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه
وبت أريه الصبر كيف يكون
ومن بديع الشعر أبياته التي يتشوق فيها إلى أحبابه، وقد خلاهم ببغداد:
ألا ليت شعري هل أراني بغيضة
أبيت على أرجائها وأقيل
هواء كأيام الهوى لا يغبه
نسيم كلحظ الغانيات عليل
وعصر رقيق الطرتين تدرجت
على صفحتيه نضرة وقبول
وأرض حصاها لؤلؤ وترابها
تضوع مسكا والمياه شمول
بها العيش غض والحياة شهية
وليلي قصير والهجير أصيل
فقل لأخلائي ببغداد هل بكم
سلو فعندي رنة وعويل
ترنحني ذكراكم فكأنما
تميل بي الصهباء حيث أميل
لئن قصرت أيام أنسي بقربكم
فليلي على ناي المزار طويل
الأرجاني
هو أبو بكر أحمد بن الحسين الأرجاني، ولد حوالي سنة 460ه أصله من شيراز وتولى القضاء بمدينة تستر. وهو من فحول الشعراء وله هذه الآبيات:
سفرت كي نزود الحب منها
نظرة حين آذنت بالتنائي
وأرت أنها من الوجد مثلي
ولها للفراق مثل بكائي
فتباكت ودمعها كسقيط ال
طل في الجلنارة الحمراء
فترى الدمعتين في حمرة اللو
ن سواء وما هما بسواء
خدها يصبغ الدموع ودمعي
يصبغ الخد قانيا بالدماء
خضب الدمع خدها باحمرار
كاختضاب الزجاج بالصهباء
وفي مقدور القارئ أن يرجع إلى كتب الأدب والتاريخ ليعرف من نبغوا في القرن الخامس، فإن الوقوف على آراء أولئك النوابع من أقرب السبل إلى فهم روح ذلك العصر، أما نحن فلا نريد أن نطيل.
الباب الثاني
| في حياة الغزالي
| تمهيد
نريد أن نتكلم بإيجاز عن حياة الغزالي، لأنه لا يعنينا منها غير جانب واحد: وهو حاله حين وضع مؤلفاته في الأخلاق.
ونحب أن ننبه القارئ إلى أن المصدر الموثوق به إنما هو كتابه «المنقذ من الضلال» فأما الكتب التي ترجتمه فهي في أكثرها موصومة بالمغالاة، لأن الغزالي كما سترى نزل من أهل عصره ومن بعدهم منزلة حملت أكثر مترجميه على تصوره كرجل لا ينبغي لأحد أن يناله بنقد أو تجريح، وإنهم لواهمون.
ولم نستشير التراجم، والمترجم نفسه يتكلم بسذاجة وإخلاص عن تطور حالته العقلية؟ وهي التي تهمنا في هذا الباب.
الفصل الأول
| أسرته
ولد الغزالي من أسرة فارسية، لم يهتم بها التاريخ. وإنه ليكفي أن نعرف شيئا عن أبيه وأخيه، لنعرف الروح السائد في أسرته.
أما أبوه فقد نقل السبكي في طبقات الشافعية: «إنه كان فقيرا صالحا لا يأكل إلا من كسب يده في عمل غزل الصوف ويطوف على المتفقهة ويجالسهم، ويتوفر على خدمتهم، ويجد في الإحسان اليهم، والنفقة بما يمنكه عليهم، وإنه كان إذا سمع كلامهم بكى وتضرع، وسأل الله أن يرزقه ابنا ويجعله فقيها، وإنه كان يحضر مجالس الوعظ، فإذا طاب وقته بكى. وسأل الله أن يرزقه ابنا واعظا.» ص102 ج4.
وقد صار ابنا هذا الفقير فقيهين واعظين، فإن شئت قلت إنها دعوة أجيبت، وإن شئت قلت إن حب هذا الرجل للفقه والوعظ نقل إلى ولديه بطريق الوراثة.
وأما أخوه فقد ذكر غير واحد أنه طاف البلاد وخدم الصوفية في عنفوان شبابه، وصحب المشايخ، واختار الخلوة والعزلة، حتى انفتح له الكلام على طريقة القوم، وإنه خرج إلى العراق، ومالت إليه القلوب، ودخل بغداد وعقد مجلس الوعظ، فظهر له القبول، وازدحم الناس على حضور مجلسه، وأن صاعد بن فارس دون مجالسه ببغداد فبلغت ثلاثا وثمانين. وذكر ابن خلكان أنه كان صاحب كرامات وإشارات، وإنه كان من الفقهاء غير أنه مال إلى الوعظ فغلب عليه. وينقلون أن قارئا قرأ يوما بين يديه