تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ستقولون: إن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وأصحابه لم يأمروا المجاهدين بحرب القسيسين والرهبان، بل أمروهم بالرفق بهم، والإبقاء عليهم، كما أمروهم بعدم التعرض للأطفال والنساء والكهول. وأقول لكم: إن هذه المعاملة لا تدل على أن الإسلام ليس دين فتح، ولكنها تدل على أن الإسلام كان أحكم من أن يبدأ فتوحاته بإرهاق النفوس وتنفير القلوب. وهذه الملاينة، وذلك الرفق، من الأسلحة الماضية في استلال السخائم، والتبشير بالدين الجديد. وكذلك دعا النبي إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادل خصومه بالتي هي أحسن، حتى ظفر بالفتح المبين.

هذا ما أريد من أن الإسلام دين فتح وامتلاك. ولو بعث رسول الله

صلى الله عليه وسلم

اليوم، ورأى ما أنتم عليه من قلة وذلة، لبلل رداءه بدموعه، ولكان له مع حضرات العلماء موقف يرد الولدان شيبا. أفتحسبون أن قوله عليه الصلاة والسلام «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» معناه أنه جاء لينشر علينا، ويذيع فينا، تلك المبادئ السقيمة، التي دافع عنها الغزالي وأمثاله، حين تكلموا عن التوكل والصبر والخمول، وتابعهم في ذلك مع الأسف علماء هذا الجيل، في غير خجل ولا استحياء!

أنا لا أنكر أن التوكل فضيلة، ولكن أنكر أن يكون معناه الاقتناع بأن الموت من جملة الأرزاق، وإنما التوكل أن تقتحم المصاعب معتمدا على الله

وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين

3

والصبر فضيلة. ولكن على أن يكون صبرا على الجهاد لا صبرا على الضيم. والخمول فضيلة. ولكن على معنى أن تقبل على عملك غير حاسب للشهرة حسابا. فأما ما نقل الغزالي من أن بعض العلماء كان يترك الدرس إذا زاد الطلبة على ثلاثة إيثارا للخمول، فهي خطة سلبية، وهروب من الواجب، تعالت الأخلاق عما يصفون!

ومن العجيب أن نجد العلماء يضربون الأمثال بزهد النبي وخلفائه، وكان عليهم أن يعرفوا أن الزهد من النبي وخلفائه فضيلة قضت بها الضرورة، وها نحن أولا نرى بأعيننا كيف تنظر الجماهير إلى ما يملك رؤساء الحكومات نظر المحقق المغيظ، فلا عجب أن يتنبه رسول الله صاحب الخلق العظيم إلى ما فطرت عليه الجماهير من حسد من يملكون زمام الأمور. ولو قضت الظروف إذ ذاك بأن يكون النبي فردا من جماعة يسوسها غيره، لرأيناه ينمي ثروته، ويسعى جادا في استغلال ما يملك من أرض أو مال ... على أني أعلم من سيرة رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يدل على أنه كان ينظر إلى الدنيا بعين ملؤها الحب والإعزاز، وحسبنا أن نتلو قول أصدق القائلين:

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار

4

فهل ترونه قال: آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنتين أو حسنات؟ أو ليس من جلال الدنيا أن تسوى بالآخرة؟

من أجل هذا ترونني أنكر أن تكون «الأخلاق» في الإسلام معناها الرضا بالموجود وإن قل وهان، ومن أجل هذا عارضت الغزالي بعدما عاشرته في مؤلفاته بضع سنين، فماذا تنقمون مني بعد هذا البيان؟

| المراجع

تنقسم مصادر هذا الكتاب إلى عربية وفرنسوية. أما المصادر العربية فأهمها مؤلفات الغزالي، وهي: إحياء علوم الدين، ومنهاج العابدين، والأربعين في أصول الدين، وميزان العمل، وجواهر القرآن، والأدب في الدين، ومشكاة الأنوار، ونصيحة الملوك، والمنقذ من الضلال، وإلجام العوام، وخلاصة التصانيف، ورسالة الطير، وكيمياء السعادة، ومكاشفة القلوب، وقواعد الطريق العشرة، والإملاء على ما أشكل من الإحياء، والكشف والتبيين، والقسطاس المستقيم، ومقاصد الفلاسفة، والتفرقة بين الإسلام والزندقة، والدرة الفاخرة، والمستصفى في الأصول.

ومما يتعلق بالغزالي من المصادر العربية: طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، وشرح الإحياء للزبيدي وقوت القلوب لأبي طالب المكي، والرسالة القشيرية، ومجلة الهلال، والسعادة لابن مسكويه، وتهذيب الأخلاق له، وفلسفة ابن رشد لفرح أنطون، والذخيرة في المحاكمة بين تهافت الفلاسفة لعلاء الدين الطوسي، وحياة الغزالي للدكتور زويمر، وفتاوى ابن تيمية، وإعلام الموقعين لابن القيم، وفصل المقام لابن رشد، ومحاضرات الكونت دي جالارزا في الجامعة المصرية سنة 1919 و1920 ومبادئ الفلسفة تعريب أحمد أمين، والملل والنحل للشهرستاني، ومعجم البلدان لياقوت.

الأخلاق عند الغزالي · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأخلاق عند الغزاليص ١١٨