تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

92

وقصارى ما تعنيه هذه الفقرة أن علم الفلك في حد ذاته جدير بالتقدير بصرف النظر عن التنجيم، وهذا أقصى ما ننتظره من عالم أتى في عصر البيروني، ونذكر في هذا الصدد كبلر الذي مارس التنجيم وهو يؤسس علم الفلك الحديث ويفجر ثورته الأهليلجية التي أنهت العقيدة القاطعة بدوران الأجرام السماوية في دوائر كاملة، وراح يضيق بالتنجيم شيئا فشيئا حتى انتهى إلى أنه الابنة السفاح لعلم الفلك، والتي مع هذا تكفل لأمها إقامة الأود وضمان الحياة.

93

إذن لا نملك أن نلوم البيروني كثيرا على انشغاله بالتنجيم، فضلا عن أن نندفع لنبرئه أصلا من هذا، فهذا إهدار لتاريخية الوضع المعرفي.

بخلاف التنجيم، ثمة أيضا رفض البيروني دوران الأرض واستنكاره قولا يرى أن «الأرض متحركة حركة الرحى حول محورها.»

94

ذلك أن البيروني قد رأى سكون الأرض ودوران السموات حولها، لكنه ذكر في القانون المسعودي أن ثمة رأيا يقول بدوران الأرض حول محورها، وأنه قابل واحدا من علماء الهيئة القائلين بدوران الأرض - لم يذكر البيروني اسمه - مستندا على أن الجسم لا يسقط على الأرض عموديا بل بزوايا أقل أو أكثر قليلا من 90° مما يعني أن الأرض تحركت أثناء السقوط، لكن البيروني رفض هذا الرأي وحاول تفنيد أدلة ذلك العالم، فيقول البيروني: «أما أنا فقد شاهدت أحد من مال إلى نصرة هذا الرأي من المبرزين في علم الهيئة، لم يلتزم نزول الثقيل إلى الأرض على القطر عمودا على وجهها، بل محرفا على زوايا مختلفة.»

95

لقد رفض البيروني حركة الأرض، على الرغم من أخذه باستدارتها، وربما لا يمانع في كرويتها، لكنه رفض تماما كروية السماء، واعتبر الأرض في مركز الكون أو قريبة منه، تبعا لنظرية بطليموس التي عمل بها هو وكل معاصريه.

إلا أننا لا نملك أن نحاسب البيروني على كل صغيرة وكبيرة، أو نلومه من منظور عصرنا على مثل تلك الأغاليط، نظرا لطبيعة العصر الذي جاء فيه وحدوده المتاحة وقصوراته المعرفية من منظور عصرنا، وليس ثمة أية عبقرية مهما كانت فذة تستطيع الانفصال المطلق عن العصر الذي أنجبها والبيئة المعرفية التي نشأت فيها، حسبه ما أسداه من جهود دفعت مسيرة العلم في تلك الحدود وذلك العصر.

وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن البيروني على الرغم من إقراره بتنوع مناهج المعرفة، بل وبالاختلاف بين المعرفة الإنسانية النامية وبين العقائد الدينية المطلقة، فإنه مع هذا انشغل في بعض أبحاثه بالمشكلة التي تشغل نفرا من رجال الدين ومن الإعلاميين الآن ... فقد كان البيروني حريصا جدا على التقريب بين علم الفلك بالذات وبين إشارات القرآن الكريم، في مقابل الحسن بن الهيثم الذي رفض تماما أي محاولات للتوفيق بين العلم والدين، موضحا أن المعرفة الإنسانية مختلفة ومعيارها مختلف هو الصحة والإفادة، على أن البيروني في سائر تقريباته بين الفلك والقرآن، لم يتجاوز أبدا حدود العقل والمنطق، وآية ذلك رفضه البات لشطحات الصوفية في هذا الصدد، قائلا ببساطة: «إن كلامهم غير مفهوم عندهم، فضلا عن عند غيرهم وخاصة كلام الحسين بن الحلاج.»

96

وذلك على الرغم من سعة علمه بالتصوف ودراساته المقارنة بين التصوف الإسلامي والتصوف في الهند.

لقد ظل العقل دائما في عالم البيروني مناطا يعتد به أيما اعتداد، ويحتكم إليه، فلا يتردد هنيهة - في تأريخاته ومباحثه - في رفض «كل ما يستفز - من استماعه - القلوب وتمجه الآذان ولا تقبله العقول.»

97

وكثيرا ما ينتهي إلى أن هذه الرواية - أيا كان قدر قائلها - «غير صحيحة؛ لأن الامتحان يشهد عليها.»

98

أي أن الاختبار التجريبي أو التمحيص المنطقي لا يؤيدانها، لا يقفان في صفها.

ولا غرو أن ترتد هذه العقلانية في منهجية مكينة، فكان البيروني بدوره تمثيلا عينيا رائعا لتألق العقل العربي والعلم العربي والحضارة العربية في قمة عصرها الذهبي، القرن الرابع-الخامس الهجري، أو العاشر/الحادي عشر الميلادي ... أو - بتعبير سارتون - عصر البيروني.

بحوث في تاريخ العلوم عند العرب · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحوث في تاريخ العلوم عند العربص ٤٢