تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

53

الذي رأينا كل هذه الأبعاد تعتمل في كيميائه، ونعتقد أن لقب الصوفي الذي يلحق باسم جابر دائما حتى على غلاف مخطوطاته راجع إلى عمق تأثره بالهرمسية، ولئن كان هذا بعدا غير إسلامي، فقد تفاعل بما يكفي مع بعد إسلامي خالص هو الشيعية. •••

فقد عاش جابر طويلا في مركزها - الكوفة - حيث كان معمله المهيب كما ذكرنا، لكنه لا ينتسب إليها. إنه عربي ينحدر من قبيلة أزد على حدود اليمن، وولد حوالي عام 720م إما في حران بالعراق، وإما في طوس بفارس، رواية حران تدعي أنه أصلا صابئي ثم دخل الإسلام وأظهر إيمانا وغيرة عظيمة على دينه الجديد.

لكن رواية ميلاده في طوس هي الأرجح، ولعلها تبرر - من ناحية - صلته الوثيقة بالبرامكة التي تسببت في أزمة بينه وبين الرشيد حين غضب على البرامكة، وفتك بهم عام 188ه/803م. إنها نكبة البرامكة الشهيرة في التاريخ الإسلامي.

كان يحيى البرمكي مفتونا بجارية جميلة له، أصابها مرض عضال حار فيه الأطباء، غير أن جابرا وصف لها دواء شفاها على الفور،

54

دهش يحيى لهذا وأثارت هذه الدهشة في نفسه، وفي نفس ولديه - جعفر والفضل - شغفا بالعلوم الطبيعية، والبرامكة عموما مهتمون بالكيمياء، فظن هارون الرشيد أن جابرا باح لهم بسر حجر الفلاسفة، وأن هذا هو سبب ثرائهم، ففر جابر إلى الكوفة، ظل مختبئا بها حتى ولاية المأمون؛ حيث وافته المنية هناك حوالي عام 813م.

55 •••

وعبقرية جابر المذكورة في العلاج تعرج بنا على بعد جوهري هو علوم الطب، لنجده قد برع فيها، خصوصا وأن الكيمياء دائما ذات صلة وثيقة بعلوم الطب، وإذا كانت الصلة تتمثل في عصرنا هذا في علم العقاقير أو الفرما كولوجي، وفي الكيمياء الحيوية وما شابه هذا، فإنها لم تكن هكذا فقط أيام جابر؛ بل كانت الصلة بين الكيمياء والطب تتمثل أساسا في الإكسير الذي يؤكد جابر أنه وجده.

كانت الكيمياء هي معالجة المعادن الخسيسة لتصبح معدنا نفيسا، والطب هو معالجة الأبدان المريضة لتصبح صحيحة، أساس العمل في الحالتين هو الإكسير؛ لأن الإكسير هو الوسيلة التي يخرج بها العالم شيئا من شيء، كأن يضيف إليه ما ينقصه أو يحذف منه ما زاد عليه، سواء أكان هذا الشيء جسما حيا أو معدنا. أما إكسير الحياة - أمل السيميائيين أو الخيميائيين جميعا - فهو الدواء الشافي من جميع الأمراض، ويقال إن هذه الفكرة تعود إلى أصول صينية.

56

ودعم من أثر البعد الطبي في الكيمياء إيمان جابر بالنزعة الحيوية التي سادت العلم القديم لترى كل شيء حيا حتى أصلب أشكال الجماد. لقد ظلت هذه النظرة الحيوية طاغية مهيمنة حتى كان العلم الحديث ليقترن بالتصور الآلي الميكانيكي للطبيعة وينهي عصر النظرة الحيوية، حتى شهد القرن العشرون انهيار التصور الآلي للطبيعة بدوره تحت وطأة نظرية «الكوانتم» الكمومية والنسبية وسائر علوم الذرة.

المهم أن جابرا كسائر أقرانه من العلماء القدامى آمن بحيوية الطبيعة، بل رآها عاقلة مريدة والكواكب قوى حيوية علوية تمارس تأثيرها، الفرق بينها وبين الله هو دخول المادة فيها، من هنا كان علم التنجيم عند جابر - أو كما أسماه علم استخدام الكواكب العلوية - واحدا من علوم سبعة أساسية هي كل العلوم.

آمن جابر أيضا بأن المعدن كائن حي، ينمو في جوف الأرض عبر آلاف السنين، على إثر تزاوج أو اتحاد عنصرين هما دخان أرضي وبخار مائي، يتكاثفان في جوف الأرض ليكونا أصلي جميع المعادن: الزئبق والكبريت. الفرق بين معدن وآخر يعود إلى اختلاف نسب الكبريت والزئبق فيه، في الذهب يكون بينهما اتزان تام، وفي الفضة يتساويان في الوزن، والنحاس يحتوي على كبريت أكثر، أما القصدير فزئبقه أكثر وهكذا، ويرى المؤرخون أن هذه الفكرة هي التي تطورت إلى مفهوم الاتحاد الكيميائي الحديث، فتعتبر من أهم الأفكار الكيميائية التي طرحت في القرن الثامن.

بحوث في تاريخ العلوم عند العرب · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحوث في تاريخ العلوم عند العربص ٢٦