تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

27

يقول جابر: «الموجودات كلها إما أن تدرك بالحس، وإما أن توجد بالعقل.»

28

وفضلا عن عبقرية التعبير في اللفظة «توجد» التي تستدعي تأكيد المنهج العلمي المعاصر على أن العقل يخلق الفرض العلمي خلقا ويبدعه إبداعا، فإننا نجد ما يؤكده ذلك المنهج من تآزر بين الجانبين - الحس والعقل، أو اليد والدماغ، أو الملاحظة والفرض ... - في قوله النافذ الذي يكاد يحمل أوجز صياغة للب المنهج العلمي: «والله قد عملته بيدي وبعقلي من قبل، وبحثت عنه حتى صح، وامتحنته فما كذب.»

29

فها هنا تآزر اليد والعقل، والبحث عن الفرض ثم تعريضه للاختبار التجريبي، أو بتعبير كارل بوبر محاولات تكذيبه، ثم قبول الفرض لاجتيازه الاختبار ومحاولات التكذيب.

ومع كل هذه البلورات المنهجية التجريبية، لا ينبغي أن نشتط كثيرا ونتصور منهجية جابر صورة طبق الأصل من نظريات فلاسفة العلم المعاصرين، فثمة أبعاد كثيرة تتداخل، ربما لا ينبغي أن نتوقف كثيرا بإزاء أبعاد أقل ما يقال عنها إنها خرافية خزعبلية، لحقت بالحس والإدراك الحسي من قبيل أفاع بوادي الخزلج، إذا «رآها» الناس ماتوا، وكذلك جميع الحيوان، وجبهة الأرنب البحري إذا «لمست» لحم الإنسان فتقته ... ومثل هذا في السمع والشم والمسامتة

30 ... وصفحات جابر تعج بأمثال هذه الترهات التي لا تنطلي حتى في قصص الأطفال. لكن ينبغي الإشارة إلى بعد ميتافيزيقي راجع لطبيعة العصر، يجعل «العلم» عند جابر هو «العقل»، والمعرفة العقلية مقدمة دائما على المعرفة الحسية.

ومع هذا وذاك لا نملك إلا تقدير تلك الصياغة الجميلة حقا للاستدلال التجريبي منهاجا وتطبيقا. •••

والجدير أيضا بالتقدير تلمس جابر لأهمية التكميم في العلم، والتكميم سر تقدم الكيمياء الحديثة، وآية دقتها وانضباطها، الكمية عنده هي «الحاصرة المشتملة على قولنا الأعداد مثل عدد مساو لعدد، أو عدد مخالف لعدد، وسائر الأرطال والأعداد والأقدار من الأوزان والمكاييل وما شاكل ذلك.»

31

فضلا عن القياس الذي هو علاقة بين وزنين أو طولين، وقد اشتهر عن جابر استخدامه للميزان في تجاربه واهتمام طاغ بالموازيين، وقد جعلها عنوانا لأهم كتبه، مرة أخرى - وليست أخيرة - جاءت الموازين معه مسربلة بالعديد الجم من الأبعاد الميتافيزيقية واللاهوتية تضع فراسخ بينه وبين الموازيين الدقيقة للكيمياء الحديثة، فأين نذهب بعشرة قرون من الزمان تفصلهما، وأين نذهب بالمؤثرات والأبعاد العديدة التي تطاحنت في ذهنه، كفاه فخرا التفاته للميزان في خضم كل هذا، وبسبب تحكيمه إياه في تجاربه واتخاذه أساسا للبحث، اعتبره بول كراوس، من أعظم رواد العلوم التجريبية إجمالا وليس الكيمياء فحسب.

على أية حال قدم جابر المعاني الآتية للميزان، التي تعكس بدورها أبعادا شتى: (1)

الميزان النوعي. (2)

ميزان الكيميائيين، وهو وزن مقدار الأجساد الداخلة في خلط أو مزيج.

وهذان المفهومان أقرب نسبيا إلى المعنى المعاصر للتكميم العلمي. (3)

ميزان الحروف الدالة على الطبائع الأربع. (4)

الميزان كمبدأ ميتافيزيقي يرمز إلى التوحيد الإسلامي يعادي الثنائية المانوية. (5)

الميزان كتأويل ما ورد من ذكر الميزان يوم الحساب.

ويسهل ملاحظة كيف أن معالجة جابر لمفهوم الميزان تحمل معها توفيقا بين المذاهب والأبعاد المتباينة، وهذا التوفيق سمة، تسم أبحاث جابر بصفة عامة؛ لأنه هو شخصيا يتسم أو يتميز بمعرفة شاملة بتصانيف القدماء، لا يدانيها عالم آخر في عصره، جعلها تعتمل جميعها في ذهنه. •••

ولكن ما هو ذلك الميزان الثالث؟ ميزان الحروف الدالة على الطبائع؟

هيرومنيوطيقية القراءة ؛ أي التعامل مع النص في إطار الأفق المعرفي للقارئ جعلت أستاذ الجيل زكي نجيب محمود، يبحث عن معالم الوضعية المنطقية في نصوص جابر، فيبدو وقد تراءت له ما أدركته الفلسفة التحليلية في القرن العشرين من أهمية التحديد الدقيق للألفاظ والمصطلحات العلمية، وضرورة تحليلها إلى أبسط العناصر الممكنة، لقد اتخذ أستاذ الجيل من قول جابر: «تركيب الكلام يلزم أن يكون مساويا لكل ما في العالم من نبات وحيوان وحجر.» مبررا لجعل جابر رائدا سبق رسل وفتجنشتين في الذرية المنطقية والنظرية التصويرية للغة.

بحوث في تاريخ العلوم عند العرب · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحوث في تاريخ العلوم عند العربص ٢٠