تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولئن كان كارل بوبر

K. Popper (1902-1994) أهم فلاسفة العلم في النصف الثاني من القرن العشرين، فإنه هو الذي حمل لواء العصيان والنقد الحاد للوضعية المنطقية، مؤكدا أن فلسفة العلم ليست محض تحليلات منطقية، بل هي فلسفة الفعالية الحية والهم المعرفي للإنسان، والميتافيزيقا أفقها الرحيب الذي يلهم بالفروض الخصيبة العلم أكثر حيوية وإنسانية من أي منشط آخر، قضاياه قابلة دوما للتكذيب والتعديل والتطوير، يلعب الخيال الخلاق والعبقرية المبدعة دورا أساسيا في رسم قصة العلم المثيرة، التي علمت الإنسان المعنى الحقيقي للتقدم، والتقدم العلمي لا تفسره إلا الثورة، بمعنى التغير الجذري لبدء دورة معرفية جديدة.

والتقط توماس كون

T. Khun (1922-1996) أيقونة الثورة من كارل بوبر، فأقام تفسيره لتاريخ العلم وفلسفته على أساس مفهوم الثورة، التي هي انتقال من براديم

Paradigm

أو نموذج قياسي إرشادي إلى آخر ... وذلك في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية»، ويحمل هذا الكتاب إعلانا صريحا للربط الوثيق بين فلسفة العلم وتاريخه.

ثم تكفل بتوطيد هذا الربط أخلص تلاميذ بوبر: الفيلسوف المجري إمري لاكاتوش

I. Lakatos (1922-1974)، فقد واصل طريق الربط الوثيق بين فلسفة العلم وتاريخه، وبواسطة تعديل قول لإمانويل كانط، صاغ لاكاتوش المبدأ النافذ «فلسفة العلم بدون تاريخه جوفاء، وتاريخ العلم بدون فلسفته أعمى»، ويأتي بول فيير أبند

P. Feyerabend (1923-1995) ليبرز أهمية النظريات القابعة في تاريخ العلم وقدرتها على إخصاب الواقع العلمي الراهن، ويتكرس لتأكيد التعددية المنهجية، وتأكيد النسباوية بمعنى عدم قابلية النظريات العلمية المتتالية للمقارنة والخضوع لنفس المعايير والحكم عليها بنفس المقاييس. كل نظرية لها مكانها في تاريخ العلم، والحكم عليها بالنسبة لظروفها وتحدياتها.

هكذا نجد كارل بوبر، وتوماس كون، وإمري لاكاتوش، وبول فيير آبند فريق عمل متكاملا، يعرف باسم: الرباعي الأبستمولوجي، شكل معالم فلسفة العلم في المرحلة التالية على الوضعية المنطقية؛ أي في العقود الثلاثة الأخيرة من السنين، وقد أصبحت فلسفة العلم فلسفة إنسانية حية خفاقة، وليست مجرد تحليلات منطقية، لا تستغني طبعا عن رصانة المنطق، لكن تتجاوزه لتصبح فلسفة أبستمولوجية «معرفية» لا تنفصل البتة عن تاريخ العلم.

فتاريخ العلم - وليس تاريخ العروش والتيجان والحروب والمؤامرات - هو التاريخ الحقيقي للإنسان، وصلب قصة الحضارة في تطورها الصاعد دوما، بل إن فلسفة العلم الآن تسير إلى أبعد مما أنجزه هذا الرباعي العظيم في التأكيد على أهمية تاريخ العلم. فقد تعاظم شأن العلم وتشابكت علاقاته، وأصبح أكثر شمولية للموقف الإنساني أكثر من أي منشط آخر ... ولا يتكشف كل هذا إلا في ضوء تطوره التاريخي عبر تفاعله مع البنيات الحضارية والاجتماعية والمعرفية. •••

ولئن تعلمنا من فلسفة العلم أهمية تاريخ العلوم على العموم، فباق أن نتفق على أهمية تاريخ العلوم عند العرب على الخصوص. ليس فقط من أجل العوامل الذاتية القومية التي تملي علينا العمل على تجذير الظاهرة العلمية وتوطينها في تربتنا، بل أيضا من أجل العوامل الموضوعية الأعم، والتي تهم المعنيين بأصول ظاهرة العلم الحديث شرقا وغربا. تاريخ العلوم عند العرب يشغل كل الفضاء الحضاري الممتد منذ أفول عهد العلم البطلمي السكندري الذي توهج على شواطئ مصر، وحتى بزوغ الجمهوريات الإيطالية في عصر النهضة، وبغض النظر عن الطول الزمني لهذا الفضاء الذي تشغله العلوم عند العرب، فإن أهميتها الخاصة تأتي من أنها المرحلة المفضية تاريخيا ومنطقيا إلى مرحلة العلم الغربي الحديث.

وتزداد الأهمية الموضوعية والمنهجية لدراسة تاريخ العلوم عند العرب؛ لأنه حظي بنصيب الأسد من التشويه الأيديولوجي لتاريخ العلم، وبفعل عوامل لا موضوعية ولا منهجية البتة سادت ردحا من الزمن خرافة مغرضة تؤكد أن العلم ظاهرة غربية بدأت من الصفر المطلق مع الإغريق، وعبر فجوة باهتة مظلمة - هي العصور الوسطى - انتقل إلى أحفادهم وورثتهم الشرعيين في مراكز العلم الحديث في أوروبا.

بحوث في تاريخ العلوم عند العرب · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحوث في تاريخ العلوم عند العربص ٢