8
بهذا الأخير يمكن تصنيف الموضوعات إلى ستة هي: «التوحيد، القدر، الإيمان، الوعيد، الإمامة، ثم اللطائف؛ أي الطبيعيات.» الإلهيات (العقليات) تشمل التوحيد والقدر، والسمعيات (النقليات) تشمل الإيمان والوعيد والإمامة. أما اللطائف - أي الطبيعيات - فموضوعها الجسم والحركة والمادة في الزمان والمكان؛ أي العالم الفيزيقي، عالم العلم الطبيعي. وقد كانت الطبيعيات لطائف - كما أوضح عابد الجابري - لأنها «دقيق الكلام» الذي هو مجال العقل وحده، مقابل «جليل الكلام»؛ أي العقائد التي يفزع فيها إلى كتاب الله.
على هذا الأساس انشغل المتكلمون الرواد - كما أشرنا - باللطائف، فكانت بداية اشتباك العقل الإسلامي بالعالم الفيزيقي، وبداية التفكير في الطبيعة، إنه بزوغ الفكر العلمي من ثنايا الفكر الديني المهيمن، مما يسهم في تفسير زخم الدفع العلمي الذي جعل الحضارة الإسلامية تنفسح للحركة العلمية وتحمل لواءها طوال العصور الوسطى، ولماذا كانت العلوم عند العرب تتدفق في إطار الأيديولوجيا السائدة وتحت رعاية ومباركة السلطة الحاكمة، وليس ضدها بالمواجهة والصراع الدامي معها كما كان الحال بالنسبة للعلم الحديث في أوروبا.
وسوف يفسر لنا أيضا لماذا كان العلم العربي معلولا ومفعولا، وليس علة فاعلة في تشكيل البنية المعرفية الإسلامية، ولماذا استنفد ذلك الدفع ذاته، وبلغت الحركة العلمية الثرية الدافقة طريقا مسدودا، ولم يقدر له التواصل والنماء في العصر الحديث، بل أسلم الحصيلة والراية إلى أوروبا لتقوم بهذا الدور.
فقد انحل العالم الطبيعي على أيدي المتكلمين إلى جواهر وأعراض مأخوذة من المذهب الذري القديم.
9
وأصبحت الجواهر والأعراض هي الأنطولوجيا الكلامية أو أساس تصورهم للطبيعة.
10
فعن طريقهما أثبت المتكلمون هدفهم، وهو أن العالم متغير - لتوالي الأعراض عليه - وبالتالي حادث، أي مخلوق لله.
دليل الحدوث: أي كون العالم الحادث المخلوق دليلا على وجود الله وقدرته وعلم الشاملين وحكمته وحياته. ذلك ما سلم به المتكلمون، بل المسلمون جميعا.
فلم يكن العالم بالنسبة للمتكلمين إلا علامة على وجود الله، على ما وراءه. «إنما سمي العلم علما؛ لأنه أمارة منصوبة على وجود صاحب العلم. فكذلك العالم بجواهره وأعراضه وأجزائه وأبعاضه دلالة دالة على وجود الرب سبحانه وتعالى.»
11
كلمة «عالم» مشتقة أصلا من العلم والعلامة، وفي أصلها اللغوي البعيد من الحس: العلام؛ أي الحناء لما يترك من أثر باللون، والعلامة ما تترك في الشيء مما يعرف به، ومن هذا العلم: لما يعرف به الشيء أو الشخص كعلم الطريق، وعلم الجيش «الراية»، وسمي الجبل علما لذلك، ومنه: علمت الشيء؛ أي عرفت علامته وما يميزه، ونقيضه الجهل، وتكون بعد ذلك المعاني الخاصة والاصطلاحية في «العلم»
12
لم ترد لفظة «العالم» ولا لفظة الطبيعة في القرآن الكريم أبدا، وردت فقط في صيغة الجمع: العالمين - ربما على سبيل التأكيد - ثلاثا وسبعين مرة. هذا غير «العالمين بكسر اللام»، من العالم بالشيء التي وردت ثلاث مرات.
13
وكانت المشكلة المحورية للطبيعيات الكلامية هي العلاقة بين الله وبين العالمين أو العالم أو الطبيعة، والتي اتخذت مبدئيا شكل الإيجاد والخلق من العدم، إحداث المحدث: هذا العالم، وهذا ما يتبلور في دليل الحدوث، وبصرف النظر عن عبقرية اللغة التي تطابق بين العلم والعالم وتجعلهما من نفس المصدر نجد دليل الحدوث هو في جوهره قياس الغائب على الشاهد، وهو شكل من أشكال الاستدلال العلمي الإمبيريقي، إنه ينطلق من المحسوس إلى المعقول، فتمتد له خطوط في صلب التيار العلمي البازغ من ثنايا الفكر الديني، الذي جعل البحث في الطبيعة يغلب على المتكلمين الأوائل. لكن دليل الحدوث ذاته بتوغله في الدوائر المغلقة كان من العوامل التي أدت إلى انفصال علم الكلام عن البحث في الطبيعة بعد انتهاء عصور الازدهار، وإجهاض الفكر العلمي البازغ وإسقاطه من الحساب، وسيادة الفكر الديني وحده.