تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الثاني - اتصلت بالوقائع الجزئية دون القوانين الكلية، فضلا عن الأنساق العلمية.

مع هذا تجمل الإشارة إلى أن المتجه الإلهي وإن استوجب القطع المعرفي في عصرنا هذا، فإنه صنع الملامح الخاصة للطبيعيات الإسلامية في ذلك العصر، فلا هي انساقت مع مادية القبل سقراطيين المتطرفة، ولا مع مادية أرسطو المعدلة إلى آخر المدى.

وعلى الرغم من استفادتها من الفيثاغورية والأفلاطونية والأفلوطينية أيضا لم تنسق معها إلى آخر المدى. فهذه فلسفات مثالية تحرم العالم الطبيعي من الوجود الموضوعي، وهذا ما لا يمكن أن تفعله الفلسفة الإسلامية؛ قد تحرمه من استقلاله، أما وجوده الموضوعي فكلا؛ لأن العالم الطبيعي فعل متعين للقدرة الإلهية. إن المصطلحات اليونانية تقوم فقط بدور ظاهري.

وكانت الفلسفة الإسلامية تيارا مستقلا في النظر إلى العالم الطبيعي، استوعب ذينك الطرفين المادية/المثالية، وتجاوزهما إلى مركب جدلي أشمل. لم يكن محض انتقاء بينهما أو توفيق لهما مع الشريعة، بل كان خطوة في طريق تطور الفكر الطبيعي عرفت كيف تقطعها دون أن تخرج عن إطارها المثالي وتوجهها اللاهوتي الذي فرضته ظروف العصر. (3) الطبيعيات في نظرية الوجود

اتضح لنا الآن كيف أن انتقال الطبيعيات إلى دائرة يفترض أنها أعلى - أي من الكلام إلى الحكمة - لم يغير من الأمر شيئا، وظلت الطبيعيات متجهة نحو الإلهيات أو مقدمة إلهية، وليس هذا كل - ولا حتى أهم - ما يكشف عنه هذا الفصل. ولكي ندرك عمق الحكم: لا فرق - مما يستوجب قطعا معرفيا عن كل التراث القديم - ينبغي أن نلاحظ قبلا كيف أن الطبيعيات في الحكمة تكافئ نظرية الوجود في الكلام ... إنها الأنطولوجيا.

رأينا كيف انقسمت الحكمة إلى عقليات: منطق ورياضة، ثم طبيعيات محسوسة ثم إلهيات وشريعة، وكأننا بإزاء تقسيم الفلسفة الذي لم يستقر إلا في القرن التاسع عشر إلى إبستمولوجيا وأنطولوجيا وأكسيولوجيا، لا سيما مع ما تعنيه الإلهيات الإسلامية من نسق قيمي مهيب، وما تحمله الشريعة من جهاز أخلاقي جبار. على أن أخطر ما في الأمر هو إخراج الطبيعيات تماما من الإبستمولوجيا وانفصالها عن العقليات والمنطق. لقد تقوقعت تماما في قلب نظرية الوجود المتجهة إلى الإلهيات.

ولا فرق. فهذا هو نفس الوضع في الكلام، انقسم أيضا إلى نظرية العلم ونظرية الوجود ثم إلهيات، وإن لم يتبلور هذا إلا في مرحلة متأخرة، في مقابل الحكمة التي عرفت التقسيم منذ مرحلة الافتتاح الأولى التي دشنها الكندي. وأيضا أخرج المتكلمون الطبيعيات تماما من المشكلة المعرفية؛ أي من نظرية العلم التي تكافئ المنطق في الحكمة، ووضعوها في قلب مشكلة أو نظرية الوجود والسؤال عن الموجود والمعلوم. والواقع أن المباحث الطبيعية في الكلام - وبالتحديد مبحثا الجواهر والأعراض - صلب نظرية الوجود.

شهد علم الكلام مصنفين هامين مخصصين لمبحث الجواهر والأعراض؛ وهما «التذكرة لابن متويه» من القدماء، و«التحقيق التام للظواهري» من المحدثين. والحق أن «التذكرة» نموذج للبحث المنهجي المستقصي لموضوعه، والمحيط بأطرافه برؤية واضحة وأفكار مرتبة وعبارة مستقيمة، فيكشف عن نضج واقتدار يفوق ما يتكشف في كثير من نصوص الحكمة. ولأنه أكمل عرض للطبيعيات الكلامية، فإنه يحوي أوجز صياغة لنظرية الوجود. يقول ابن متويه:

اعلم أن المعلومات أجمع لا تخرج عن قسمة تتردد بين النفي والإثبات، فإما أن تكون لها صفة الوجود وهو المعبر عنه بالموجود، أو أن لا تكون لها صفة الوجود، وهو المعبر عنه بالمعدوم. والذي له صفة الوجود فإما أن تكون حاصلة له عن أول، أو لا عن أول، وهذه القسمة كالأولى، فالذي لا أول لوجوده ليس إلا القديم وحده عز وجل، والكلام فيه وفي صفاته ينفرد عن الكلام في غيره من المعلومات، فلا نجمع بينه وبينها في الذكر إعظاما له تعالى، والذي لوجوده أول وهو المعبر عنه بالمحدث، وهو ينقسم إلى ما يتحيز عند الوجود، وإلى ما لا يتحيز عند وجوده، فالأول وهو الجوهر والثاني هو العرض.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبل · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الطبيعيات في علم الكلام: من الماضي إلى المستقبلص ٤٠