وقد انتهينا إلى أن الوقائع التجريبية والتعميم الاستقرائي لها ليس مصدرا منهجيا للفرض العلمي، فهو يأتي من أي طريق كان، المهم هو مضمونه، ومحتواه، وقدرته على حل المشاكل المطروحة، وإثارة مشاكل أخرى، ما دام فرضا علميا قابلا للاختبار والتكذيب، منطق العلم وأيضا منهجه لا علاقة لهما بمصدر الفرض، بل فقط بالفرض ذاته، والفرض العلمي قد يستلهمه الباحث المبدع من الملاحظة التجريبية من الأيديولوجيات والفلسفات، قد يهبط من التراث، وقد يصعد من حصائل الحس المشترك، وقد يأتي من طريق آخر غير هذا وذلك ...
وسيكون مغنما عظيما لنسق العلم ولبنائنا الحضاري، لو استطاع باحثونا في العلوم الإنسانية استلهام تراثنا الزاخر وواقعنا المتطلع والخروج بفروض علمية قادرة على الإحاطة بالظواهر الإنسانية ، فتثري نسق العلوم الإنسانية، وتمكنه من طرح تفسيرات أكثر كفاءة، المهم فقط أن تصاغ من المصادر المتنوعة فروض تتحقق فيها الشروط المنطقية للسمة العلمية، أي يصاغ الفروض في صورة نظرية يمكن أن نستنبط منها قضايا جزئية، ندبر لها المواقف التجريبية لاختبارها، كما سبق أن أوضحنا بالتفصيل في الفصل الرابع من الكتاب، على أن تدبير المواقف التجريبية والاختبارات التكذيبية في العلوم الإنسانية لا يقتصر على المشاهدات أو التجارب المعملية والميدانية فحسب - كما هو الحال في العلوم الطبيعية والفلك والجيولوجيا ... إلخ - بل يتعداه إلى كل الوسائل الإمبيريقية المعروفة من أسئلة واستبيان واستبار ومقابلات وأقوال شائعة ... وحتى ما تنشره الصحف اليومية ... إلى آخر الأساليب المعروفة لباحثي العلوم الإنسانية تبعا لتخصصاتهم المختلفة.
23
معنى هذا أنه يمكن أن يظل التراث والأيديولوجيا والحس المشترك والقيم ... بالنسبة للعلوم الإنسانية رصيدا هائلا، ولكن لا يمكن استثماره إلا إذا تحول إلى عملة قابلة للتداول بين العلماء، فالمهم إذن أن يكون ثمة محك مشترك يمكن الارتكان إليه للحكم على أهلية الفرض أو عدم أهليته للقيام بمهام العلم الإخباري، وتلك مهمة تؤدي داخل نسق العلم ذاته، بعبارة أخرى، معيار القابلية للاختبار والتكذيب التجريبي يحكم على مسير ومصير الفرض داخل نسق العلم ذاته، ولا يملك أي حكم على مصادره الأيديولوجية، ومهما كانت وثيقة الصلة بالعلم، إنه مثلا «لا يفضي إلى الحسم بين قول الماركسيين، إن المجتمع في صراع، وبين قول الوظيفيين بأنه متوازن ومستمر، فهذا من شأن المنظورات الأيديولوجية، وكذلك الدعوى بالعلاقة الجدلية أو الزعم بالتكامل، فهذا من شأن الافتراضات الفلسفية.»
ولكن على الماركسيين والوظيفيين وغيرهم أن يستخرجوا من هذا الزعم أو ذلك ما يصلح أن يكون فروضا علمية تقبل الامتحان، وتحتكم إلى المشاهدات والتجارب، وقد تؤيد أو تفند فروض من هذه النظرية أو تلك، بحيث تنضم الفروض الناجحة «أو التي اجتازت اختبارات القابلية للتكذيب، وتم تعزيزها» إلى شبكة نظرية أوسع قد تتجاوز حدود النظريات الأصلية، وتتخذ طريقا خاصا للتطور. فهكذا يتأسس المشروع العلمي، ويرتفع صرح العلم شيئا فشيئا، وطابقا فوق طابق .
24
| هوامش
| الختام
ليست الفلسفة ملكة العلوم والمعارف، ولا هي خادمة اللاهوت أو سواه، وقد ماهت الفوارق الطبقية منذ انهيار عصر الإقطاع، والآن في طريقها إلى الزوال والأفول التام، وأصبح تقسيم ماركس الحاد للمجتمع المنتج إلى برجوازية مستغلة وبروليتاريا مطحونة، مدعاة للسخرية، ولا يطابق الواقع بحال. إننا في عصر التعاون والتآزر والعمل الجمعي؛ حيث تتناسب قيمة العمل سواء في الفكر أو في الواقع - أي فكر كان وأي واقع كان - تناسبا طرديا مع تعدد العناصر الفعالة فيه، وأصالة تكاتفها، وعمق تآزرها.