تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما هو معروف، كارل بوبر هو الذي صاغ هذه الخاصة المنطقية؛ أي القابلية للتكذيب كمعيار للعلوم التجريبية، وجعلها عماد معالجته الرصينة النافذة لمنطق العلوم التجريبية. وها هنا تطبيق للقابلية للاختبار التجريبي وللتكذيب، وتشغيل واسع النطاق لها، أبعد كثيرا من إسهامات بوبر في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. وربما نكون في هذه الزاوية بوبريين أكثر من بوبر نفسه!

على أي حال، ليس ينطوي هذا على اختزال العلوم الإنسانية أو ردها إلى العلوم الطبيعية، بل فقط استغلال ما هو مشترك في الممارسة العلمية التجريبية - كمبدأ تنظيمي - بالاقتراب منه يتسم المشروع العلمي بالإحكام. إنه لهذا تنامى اقتفاء العلوم الإنسانية لشروط القابلية للاختبار التجريبي، فعرفت طريق التقدم العلمي. والهدف أن يزداد الطريق وضوحا، فيزداد التقدم صعودا. وتلك أولى مهام فلسفة العلم التي هي المعقل الرسمي لأصول التفكير العلمي والثقافة العلمية وأصول البحث العلمي.

إنه حديث في الفلسفة، موجه لباحثي العلوم الإنسانية، لكن يهم أيضا باحثي العلوم الطبيعية، فضلا عن المثقف العادي في عصر لم تعد الثقافة فيه منعزلة عن حركة العلم بحال. وقبل كل هذا وبعده يظل احتياجنا القومي لجرعات مكثفة من أصوليات التفكير العلمي والبحث العلمي على السواء.

إن الاحتياج القومي والهم القومي لا يغيب أبدا عن بال المثقف الجاد، مهما أوغل في غياهب التخصص الدقيق. وفي هذا، فإن الطبعات السابقة من هذا الكتاب قد لاقت - بحمد الله تعالى - استقبالا حسنا. وأجمل ما في الأمر أنه في طبعته الأولى المجملة تحت عنوان «إمكانيات حل مشكلة العلوم الإنسانية على ضوء الخاصة المنطقية للعلوم الطبيعية وتساوقها المنهجي» عام 1990-1991، قد حصل في هذا العام نفسه على جائزتين عربيتين، فكان عاملا لفوزي بجائزة العلماء العرب الشبان في مجال العلوم الإنسانية، من مؤسسة عبد الحميد شومان - الفلسطيني - في الأردن. حصل الكتاب أيضا على جائزة سعاد الصباح للإبداع الفكري بين الشباب العربي، في العام نفسه. إنه عام الطوفان وكارثة الخليج المشئومة. بل إنني تسلمت الجائزة الكويتية في معرض القاهرة الدولي للكتاب أواخر يناير 1991، والحرب دائرة. ورغما عنها اجتمعت الجائزتان في هذا الكتاب، تأكيدا أن البحث العلمي العربي كالإبداع العلمي العربي لن تقف في وجهه حدود سياسية، ولو كانت بضراوة الأسلاك الشائكة وحقول الألغام. ويلتقي تقدير الطرفين المتقابلين، وفي صلب الزمن العصيب، مصداقا لثابت باق يعلو على الكوارث ومؤامرات الفرقة، فليست العروبة ترهات وألاعيب سياسية، بل هي وحدة ثقافية وحضارية غير قابلة للفصم أو القصم مهما كانت ضراوة الوقائع والمتغيرات. ومن ثم فإن القومية العربية أشد حقيقة من الدم في الشرايين، ومن أهوال الحروب والفرقة بين الأشقاء.

وإذا جمع هذا الكتاب بين الجائزتين العربيتين المتزامنتين والمتقابلتين، ليقف حجة دامغة في وجه كل من تسول له نفسه التطاول على مفهوم العروبة، وحقيقة القومية العربية، فإن هدفه المعرفي الأساسي هو الحيلولة دون التشويه الأيديولوجي للعلوم الإنسانية!

وقدمت دار قباء طبعته الجديدة مع بدايات القرن الحادي والعشرين.

1

وفقنا الله لما فيه السداد.

يمنى طريف الخولي

منيل الروضة. مايو 2001

| هوامش

| مقدمة في المصطلح

حضارة العرب هي حضارة اللغة والفصاحة والبلاغة وفن القول، فالشعر فنها الأول وديوانها الأكبر، وتتيه على الحضارات طرا بأنها تتحدث اللغة ذات العدد الأكبر من المفردات التي تعد بالملايين، بينما لا تتجاوز مفردات اللغة الإنجليزية - مثلا - سبع مئات من الألوف. ومع هذا فإن أخبث مواطن الداء في الثقافة العربية هي عدم الحرص على دقة المصطلح، حتى إن معظم المصطلحات المهمة والخطيرة فضفاضة تتسم بالهلامية، قد تستخدم للدلالة على مدلولات شتى متداخلة أو متقاربة أو متباعدة أو حتى متضاربة ... على الإجمال قد يدل المصطلح على أشياء كثيرة فلا يدل على أي شيء محدد، ونعجز في معظم الأحايين عن ربط الاسم بمسماه، ومن ثم عن الإتيان بالقول المحكم الدقيق، وكأننا نعاني فقرا لغويا مدقعا!

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلها · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مشكلة العلوم الإنسانية: تقنينها وإمكانية حلهاص ٢