ومنذ الربع الثاني من القرن العشرين، كان قد اتضح تماما أن الدراسات الإنسانية الإخبارية قد شقت لنفسها طريق «العلم» بالمعنى الدقيق، وقطعت منه شوطا كبيرا، واستقام عودها. وهذا النضج اللافت جعلها في منزلة تؤهلها للمقارنة الصريحة مع العلوم الطبيعية، ليتضح عجزها عن تحقيق ما أحرزته العلوم الطبيعية من تقدم، وبلغ الوعي بهذا التخلف النسبي حدا جعل الفكر الأوروبي آنذاك يسوده ما يعرف باسم أزمة العلوم الإنسانية، والتي قد تصل لحد يجعلها أزمة العلوم الأوروبية إجمالا
15
كما نص عنوان كتاب لهوسرل.
وشهد هذا القرن دعوات تأتت كرد فعل، ومحاولة لتخطي الأزمة. ولعل أبرزها تيار مستقل وقوي من تيارات الفكر المعاصر، ألا وهو فينومينولوجيا أدموند هوسرل
E. Husserl (1891-1938) التي تصادر منذ البداية على استحالة شق طريق العلوم الطبيعية، وإحراز ما أحرزته من تقدم؛ أي تواجه مشكلة العلوم الإنسانية، بواسطة التسليم بها كأمر واقع لا سبيل البتة إلى تجاوزه. والفينومينولوجيا شأنها شأن سائر التيارات الفلسفية التي خرجت من أعطاف القرن العشرين، منهج أكثر منه مذهبا، وأسلوب للبحث أكثر منه تشييدا لبناء. فقد كانت جهدا مستميتا لإزالة الهوة بين العلوم الطبيعية والإنسانية، مدعية أنها تصلح من شأن الأخيرة، مهما كانت نظرتنا لطبيعة الظاهرة الإنسانية. وهي كما ذكرنا تصادر على أن هذه الهوة من صميم طبائع الأمور وليست مشكلة. وهي بهذا التطرف في تأكيد الوضع أو المشكلة تقابل الاتجاهات الإمبيريقية كالوضعية والسلوكية في تطرفها بمواجهة المشكلة عن طريق نفيها، وإنكار خصوصية الظاهرة الإنسانية.
وراحت الفينومينولوجيا في محاولة دءوبة لاستكشاف الشعور، تيار الشعور الزماني؛ لذلك اعتنى هوسرل في كتابه «دراسات منطقية
Logische Untersuchungen » عناية بالغة بالوعي الباطن بالزمان، والتوصيف الفينومينولوجي له.
16
وكانت فينومينولوجيته في هذا «تحاول البحث عن بعد إنساني خاص بعلوم الإنسان يتمثل في التصورات العقلية كما كانت الحال عند العقليين ابتداء من ديكارت حتى آخر ممثليهم، وهو برنشفيج
Brunschvick
ولا يتمثل في التجارب الحسية كما كان عند التجريبين، ابتداء من بيكون حتى الوضعية بكل صورها.»
17
ومع هذا كانت الفينومينولوجيا طريقا ثالثا لضم المثالية والمادية - طريقا شقه دلتاي. «فهي دعوة للحياة التي لا يمكن وضعها في نطاق العقل ولا في نطاق المادة.»
18
على اعتبار أن التجربة الحية هي المدخل الوحيد للعلم. ولئن كانت التجربة الحية ذاتية، فإن الآخر - التشارك في التجربة - هو الذي يضمن الصدق والموضوعية. على العموم حاولت الفينومينولوجيا إحكام العلاقة بين الذات والموضوع، أو بمصطلحاتنا بين الباحث وموضوع البحث عن طريق «القصدية، والإحالة» - كما هو معروف - ولكننا نرى الفينومينولوجيا شقت طريقا موازيا لطريق العلم - الطريق المنطقي الذي نسلكه ها هنا - ونعتقد أنها بصورتها تلك وكمنهج للبحث، أليق بالدراسات الإنسانية الحضارية الأيديولوجية والمعيارية، منها بالعلوم الإنسانية الإخبارية بمهامها المنطقية الدقيقة.
ونظرا لانكباب روادهم خصوصا فندلباند وريخرت على التفرقة في العلوم والوقائع والأحكام بين النومطيقي
nomothetic
وهو الكوني العام الطبيعي وبين الأيديوجرافي
ideographic
الفردي الخاص الإنساني، وهي تفرقة سبق أن أشار إليها أرسطو، فإننا يمكن أن نترك لهم علم التاريخ فقط، ولكننا لا نعتقد أن الفينومينولوجيا يمكن أن تجدي في تحليلات علم الاقتصاد مثلا، أو التغير في علم الاجتماع، أو حتى الفروق الفردية في علم النفس ...
ولسنا نغفل تطورات الفينومينولوجيا بعد هوسرل، خصوصا مع موريس ميرلوبونتي
M. Merleau
Ponty (1908-1961) الذي حرص على إيضاح أنها تقع في مكانة أعلى من الرياضيات والمنطق، بمعنى أنه عن طريق استقصائها البنيات الأساسية للخبرات الخاصة بالتفكير، والمعرفة تساعد في توضيح أسس المعرفة ذاتها، المعرفة بالظواهر الإنسانية. ولسوف يعتمد علم النفس بالذات - في رأي ميرلوبونتي - على الفينومينولوجيا من أجل توضيح تصوراته الأساسية، مثلما تعتمد الفيزياء على الرياضيات من أجل توضيح أفكارها الرئيسة.