تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا يتمثل دور لتجديد التراث وتطوير خطابنا الثقافي، من أجل توطين مفهوم المنهج العلمي وزرعه في ثقافتنا وتجذيره في التربة العربية، يتزامن هذا مع نقض المركزية الغربية وتصاعد احترام التعددية الثقافية، والدعوة إلى أن تضطلع كل ثقافة بمسئوليتها إزاء توطين العلم وتفعيل منهجيته.

ثمة سبل متاحة لهذه النوعية من مقاربات التراث، وتجديد الخطاب الثقافي في اتجاه تفعيل مفهوم المنهج العلمي في واقعنا الحضاري، وفي ثقافتنا المميزة لهويتنا، لينطلق هذا التفعيل نحو مستقبل أفضل،

2

في اقتفاء هذه السبل لا تكفي الإشادة بالإنجازات التاريخية، التي تأتت على أساس العناية بقضية المنهج في المجالات الشتى، ولا يكفي أيضا سرد ماضي المناهج العلمية وإجرائياتها، التي أفضت إلى مرحلة تاريخ العلوم عند العرب التي كانت مزدهرة، يمكن تعميق هذا وذاك عن طريق تنضيد جذر العقلية المنهجية ذاتها، وأصول روحها المنبعثة في أعطاف حضارة، أنتجت تلك المناهج العلمية وممارساتها، وفي هذا، وكما بينا في الفصل الثاني، يتقدم علم أصول الفقه كعلم منهجي بامتياز. وعن طريق بحث واستخلاص الآليات والقواعد والسبل الاستدلالية التي انطوى عليها وأسس لها، يكشف عن منهجيات مقننة، استنباطية وتجريبية واختبارية نقدية، تشهد بتوطن روح المنهجية في ثقافتنا ، وقد كانت واسطة العقد المنهجي عند الأصوليين في مناهج الاستدلال على العلة.

في علم الكلام القديم هو الآخر احتلت الطبيعة موقعا متميزا، لكنها كانت مشكلة أنطولوجية، ولا بد أن تتحول إلى مشكلة إبستمولوجية في علم الكلام الجديد، لتغدو مهمته هي تنضيد العقائد الدافعة إلى النظر في العالم الطبيعي.

3

ثمة موجهات للعقلانية التجريبية ثاوية في آيات قرآنية، ودعوة إلى التفكير المتبصر المسئول في الظواهر والموجودات. وردت مشتقات الجذر «علم» في أكثر من سبعمائة وخمسين آية، وما يقرب من خمسين آية تدعو إلى إعمال العقل، وآيات تحمل الحواس مسئوليتها، وتكفي الآية

إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا (سورة الإسراء، الآية: 36)، لتحيل إلى المسئولية عن تآزر هذه الأدوات - الحواس والعقل - وتكاملها في المنهج العلمي التجريبي، ومنذ أكثر من مائة عام خلت، عمل محمد إقبال (1877-1936م)، على لفت الأنظار إلى «الاتجاه التجريبي العام في القرآن»،

4

الذي كون في أتباعه شعورا بتقدير الواقع، جعل منهم حملة لواء المنهج العلمي التجريبي في عصر سؤددهم. القرآن يحمل قوة دافعة وقيما موجهة لتفعيل المنهج العلمي. •••

إنه توظيف للرصيد التراثي في استحضار واستنطاق ممكنات إيجابية في مكونات خصوصيتنا الحضارية، قادرة على القيام بدورها في إفساح المجال لتفعيل مفهوم المنهج العلمي، والإسهام في إزالة عقبات أو معوقات تحول دون تشريب واقعنا وثقافتنا المعيشة بروح هذا المفهوم،

5

أولى هذه المعوقات تكمن في الزعم بغيابها عن تراثنا وعن ثوابت ثقافتنا وغربة العلم عنا، وأنه صنيعة الآخر الغربي، ويرتبط بهذا النظرة التجديفية للعلم؛ فقد دخل ذات مرة - أو مرات - في صراع مع الكنيسة ومع الدين. وقد ننطق «العلمانية» خطأ بكسر العين، بعد أن نضعها كضد مقابل للدينية، ثم نستنفد الجهد في خيار عقيم وعصيب وزائف، وغير مطروح في ثقافتنا. وثمة أيضا معوقات آتية من النظرة التبجيلية التعجيزية للعلم؛ فهو منشط البلدان المتقدمة، والصفوة من أزكى الأفراد وأفضلهم، ومن عداهم لا شأن لهم بالمنهج العلمي. ومثلها النظرة الترفية للعلم، فهو يحتاج لتمويل واستعدادات وإمكانيات ضخمة لا قبل لنا بها، وبالتالي لا شأن لعمومنا وعوامنا بآلياتها، وعلى رأسها المنهج، ليتكرس همنا الثقافي فيما نستطيعه وما هو أكثر إلحاحا في عالمنا، وحسبنا التعليم لا العلم. وأيضا فكرة العلم النافع والعلم غير النافع، ليقتصر اهتمامنا على العلوم ذات التطبيقات التقانية المباشرة، التي تتحول على الفور إلى ما ينفع ويفيد، ودع عنك العلوم البحتة أو العلوم الأساسية، فضلا عن الأساس الأعمق لكل هذا وهو المنهج. وهذا التصور ناتج عن نظرة شائهة لمنظومة العلم، وكأنه بضعة أشياء نأخذ منها وندع! وليست نسقا محكوما بعلاقات منطقية.

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ٥٧