تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16

تبحث الميثودولوجيا النسوية عن علاقات بين الباحثين تقوم على رفض السلطة والتراتب الهرمي، سواء بين العلماء أو بين المؤسسات العلمية أو بين فروع العلم، وتنزع إلى نسائج من التفاعلات، وإلى تعاون بين العلماء يقوم على الاحترام المتبادل والعمل في انسجام، بدلا من التنافس المحموم، وفي هذا تعلي من قيمة التزامل

collaboration

واستراتيجيات الأبحاث المصممة، بحيث يشترك فيها أكثر من باحث، إن التزامل يشجع التشارك في اتخاذ القرار، ويخلق مجتمعا متعاونا بلا تراتب هرمي، كما تروم النسوية دائما. ومن الإيجابيات أيضا العناية بأساليب تدريس العلوم وكيفية جعل العلم جذابا للطلبة وللطالبات خصوصا،

17

واجتذاب الهواة، وإدخال العلم في نسيج الثقافة العامة، فلا يكون كهنوتا مقصورا على الصفوة، وهذه بالذات قضية اتفقنا عليها منذ مقدمة هذا الكتاب.

الميثودولوجيا العلمية النسوية تبحث عن الإنصات إلى الطبيعة، وتلقي رسالتها كصديق يحكي لك عن نفسه ... كزهرة تتفتح أمامك، و«يغدو العلم حوارا مع الطبيعة بدلا من أن يكون محكمة تفتيش»،

18

واستنطاقا واستجوابا. أكدت بربارة ماك كلينتوك - الحائزة على جائزة نوبل عن أبحاثها في جينات نبات الذرة - كثيرا على «الإنصات» لما تقوله الطبيعة، ورأت فيه منهجية حوارية تقوم على ارتباط شعوري عميق بموضوع البحث.

إنه اكتشاف طرق إضافية للفهم، وتقدم النسوية عقلا علميا يلعب فيه الشعور دورا أكبر. إن الشعور مصدر من مصادر الفهم، وبالمثل نتيجة من نواتج الفهم، ليتوشج الشعور في مفهوم المنهج العلمي، تخليصا للعلم من جفافه، وتخلصا من الفوارق القاطعة بين المناشط العقلية، ومن سائر التصنيفات القاطعة. القيم الأنثوية تعني انفتاح البحث العلمي على الطبيعة والعالم، بتصورات نسوية تداوي أحادية الجانب، من أجل توازن مأمول وتكامل منشود.

المثيودولوجيا التقليدية بعقلانيتها التجريبية تركز على العقل والحواس، وقد تضيف الخيال والحدس، لكن ماذا عن الشعور والإحساس والعاطفة والوجد والانفعال والتذوق والاستمتاع والمعايشة والعلاقات مع الزملاء والارتباط بالمؤسسة العلمية ... النسوية ترى أن يؤخذ كل هذا أيضا في الاعتبار إذا رمنا تفسيرا متكاملا للمنهج العلمي، أكثر حيوية ودافعية، أكمل وأجمل وأشد حضورا.

ويبقى تقديس الحياة والقيم الإيكولوجية في عصر باتت فيه البيئة من كبريات المشاغل، وهنا تتقدم الميثودولوجيا النسوية بقيمها، لتكون فلسفة بيئية على الأصالة. إن توازن المنهج العلمي بالقيم الأنثوية، التي تقوم على عمق الارتباط بالآخر وانبثاقة الحياة من المرأة والتعهد بها ورعايتها وتنميتها، يؤذن بطرح في صالح مشكلة البيئة والمتطلبات البيئية. وتصاعدت النسوية البيئية

Ecofeminism

التي تعبر عن العلاقة الحميمة بين الطرفين: الطبيعة أنثى والأنثى طبيعة.

وهذا ما يؤكده التاريخ العتيق المهدر لصالح الرجل؛ فقد اكتشف القنص والحرب، واكتشفت المرأة الزراعة والرعي. اخترع الرجل الفأس والبلطة والسكين والخنجر والقوس والسهم والرمح، واخترعت المرأة القدور والأواني والأطباق والأقداح والموقد. صنع الرجل العجلة وصنعت المرأة الردهة والفراش والستائر ... والآن بدأ عصر البيئة بكتاب «الربيع الصامت» (1962م)، وهو من وضع امرأة. هكذا تملك النسوية مبررات الزعم بأن الحفاظ على البيئة من خصوصياتها. ويبدو مفهوم المنهج العلمي الأنثوي قادرا على إعادة التصالح مع البيئة، وعلى صونها ورد الاعتبار إليها.

على الإجمال مفهوم المنهج العلمي، يغدو أرقى وأكمل وأكثر إنسانية وأكثر إيجابية، حين يتلاقح بمثل هذه الأبعاد الأنثوية الحميمة. •••

وأخيرا فإن القيمة الحقيقية لهذه الرؤية النسوية لمفهوم المنهج العلمي، ليست في إضافة أبعاد أنثوية حميمة ونابضة ومجدية إلى العقلانية التجريبية، بل في فعل الإضافة نفسه وفي حد ذاته.

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ٥٥