على مستوى الفكر تبلورت متواليات مفهوم المنهج العلمي في عقيدة عصر التنوير، وعلى مستوى الواقع تكاثفت متوالياته ونواتج ممارساته المقننة في الثورة الصناعية المواكبة، التي جعلت الاستعمار لازمة لأوروبا، من أجل حماية الإنتاج بالجملة وضرورة تأمين طرق التبادل التجاري العالمية، وورود المواد الخام من الدول البعيدة المتخلفة الفقيرة، التي لا بد أن تظل هكذا لا تصنع ولا تنتج؛ لتبقى سوقا لمنتجات المصانع الأوروبية.
هنا ارتد مفهوم التنوير الأوروبي إلى مقولة حق يراد بها باطل: طريق التقدم هو طريق العلم والعقل والحرية، وهذا الطريق قطعه باقتدار وامتياز إنسان الحضارة الأوروبية الحديثة، الرجل الأبيض، ومن حقه ومن واجبه أن يفرضه على الشعوب المتخلفة طوعا أو كرها، ليغدو الاستعمار حقا وواجبا.
مع الاستعمارية تعاظم شأن الحضارة الأوروبية وحداثتها وثقافتها إجمالا، حتى تربعت على عرش العالمين فيما عرف بالمركزية الأوروبية
Eurocentrism
أو المركزية الغربية، التي امتدت إلى الشاطئ الغربي من المحيط حيث الولايات المتحدة الأمريكية، وتعني أن الغرب لا سواه هو الحضارة بأصول تعود فقط إلى الإغريق لتؤكد نقاء العنصر الغربي، وما عدا الغرب هوامش الجهالة والتخلف، بدرجات متفاوتة تبعا لدرجة اقترابها من المركز؛ فالرجل الأبيض هو المثال الأعلى والمحك والمعيار لقيم التقدم. هكذا كانت محصلة الحداثة الغربية، وسارت في الطريق الواعد دوما بالمزيد، وبدا هذا وكأنه الوضعية التي حطت عليها نهائيا مراحل التطور الإنساني والتقدم الحضاري.
حتى شهدت أواسط القرن العشرين منعطفا جذريا بانتهاء الحرب العالمية الثانية، التي أثارت ويلاتها الشك في قيم الحداثة، والأهم أنها أعلنت إفلاس الاستعمارية الأوروبية ووصولها طريقا مسدودا، تزامن مع هذا تصاعد المد القومي في أنحاء العالم ومطالب الحرية والاستقلال. وفي الثلث الثالث من القرن العشرين كان الولوج الصريح إلى عصر ما بعد الاستعمارية، وما بعد الحداثة، وهما وجهان لعملة واحدة، تعني طابعا نقديا حادا، وأن الحداثة مرحلة وليست غاية المطاف وسدرة المنتهى، كل مفاهيمها ومنطلقاتها مستحقة للتفكيك، للمراجعة والتعديل والتصويب، ويمكن أن تظفر بطرح أفضل. ولا يستثنى مفهوم المنهج العلمي. (3) مفهوم المنهج العلمي وما بعد الحداثة
ثمة آليات ورؤى تميز ما بعد الحداثة، راحت تجوب في رحاب مفهوم المنهج العلمي وتمارس بعض فعلها، نخص بالذكر نقض المركزية
decentering
والسياقية
contextuality
والنصية
textuality .
نقض المركزية الغربية تبعه صعود قيمة التعددية الثقافية؛ فليس فقط الثقافة الغربية بل كل ثقافة لها قيمتها واحترامها ودورها في إثراء المشترك الإنساني، وتبع هذا نقض مركزيات عدة، وظهور تعدديات أخرى، بعضهما ذو علاقات بمفهوم المنهج العلمي وتأثيرات عليه. وتأتي السياقية لتعني أن كل مقولة في ثقافة البشر، لا تتأتى إلا في سياق معين وبالنسبة إليه. ويرتبط بهذا صعود النسبوية النسبوية
Relativism ، وبصدد النسبوية - ونحن في رحاب المنهج العلمي - لا يفوتنا أن موضوعية
objectivity
العلم المطلقة التي اشتهرت بها الحداثة كمضادة للذاتية قد انهارت بفعل سقوط مطلق نيوتن: الزمان والمكان المطلقين، وصعود نسبية آينشتين، حل محلها البين-ذاتية
intersubjectivity
أو المشترك بين الذوات. ونذكر في هذا الصدد قول فيل
Weyl
الرائع: «كل حقيقة مطلقة ذاتية، وكل حقيقة موضوعية نسبية.»
ولعل أخطر الآليات هي النصية؛ أي النظر إلى المقولة المعنية - وهي هنا العلم ومنهجه - كنص قابل للقراءة أو بالأحرى القراءات المتعددة، وتفعيل الهيرمنيوطيقا؛ أي مناهج التأويل الذي يختلف باختلاف أفق القارئ. وتفتح النصية الباب لمد التفكيكية (