تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هكذا يبدو مفيدا أن نردف ونكمل تحليلنا العرضي السابق لماهية المنهج العلمي، بإلقاء نظرة رأسية طولية تتتبع تطور العقل العلمي، وفعالية المنهج عبر التاريخ الإنساني وتطوره في المراحل الحضارية المتتابعة، لتكون الإحاطة بمفهوم المنهج العلمي إحاطة أكمل وأشمل.

الفصل السادس

| المنهج العلمي في التاريخ القديم

(1) في عصور ما قبل التاريخ

لما كان المنهج العلمي يعود إلى فعالية مفطورة في صلب العقل البشري من حيث هو عقل بشري؛ فقد كان نجيبه الأثير؛ أي العلم ذاته، صلبا من أصلاب الحضارة الإنسانية بأسرها، وأبرز جوانبها إثباتا لحضور الإنسان، الموجود العاقل في هذا الكون. بدأت أصول العلم أو بدأت بواكير ممارسات الإنسان للمنهج العلمي، ببدايات وجوده والتفاعل بين العقل والحواس في استكشاف، وتفهم العالم التجريبي الذي يحيا فيه، لينمو هذا ويتطور عبر الحضارات المتعاقبة، طبعا بمعدلات تتفاوت تفاوتا كبيرا.

ومن ثم يبدأ استقصاء تاريخ المنهج العلمي مما قبل التاريخ، منذ إنسان نياندرتال. إن العلم أقدم عهدا من التاريخ؛ لأن معطياته الأساسية - كما يؤكد مؤرخ العلم ج. ج. كراوثر - كانت أول ما تأمله الإنسان حين استقامت قامته، وتحررت يداه منذ قرابة نصف مليون سنة مضت، فبدأ التفاعل بين اليد والدماغ أو بين العقل والحواس. وراح الإنسان يتعامل مع البيئة المحيطة به، في أولى المواقع التي شهدت ظهوره على ضفاف الأنهار الكبرى وموارد المياه الغزيرة، في الصين وجزيرة جاوة بإندونسيا وفي العراق ومصر والجزائر، هدته فطرته العاقلة إلى صنع أدوات من الحجر الصوان تعينه في خوض ملحمة الوجود، ثم استخدام هذا الحجر في توليد الشرر وتسخير النيران في التدفئة والإضاءة والطهو، مثل هذه الأنشطة البدائية أو المبدئية التي تحمل طيفا من أولى ممارسات المنهج العلمي، تعني أن الإنسان بدأ يدرك ارتباطات أولية بين ظواهر الطبيعة وقوانين مبدئية تحكمها، وبدأت تتحدد ملامحه ككائن عاقل.

علاوة على هذا، إذا كانت الرياضيات أقنوم العلم الحديث ورمزه المبجل، وروح المنهج العلمي المحدث تقوم على التحاور بين الرياضيات والتجريب، فإن نقوشا بدائية على جدران كهوف أثرية متوغلة في أعماق التاريخ، قد دلت على أن رموز الأعداد اخترعت قبل اختراع حروف الكتابة، ربما كانت هذه الرموز القديمة التي عثر عليها علماء الآثار في جزيرة جاوة، لا تتجاوز الإشارة إلى عدد أصابع اليد، إلا أنها تدل بشكل ما على أن المنهج العلمي متأصل في صلب أقدم مناحي الإنسان وفي بنية توجهه العقلي. يقول ج. كراوثر: «محاولات أسلافنا الساذجة في استخدام الحجارة هي التي قادت عبر مئات الآلاف من السنين إلى ما يتصف به علمنا اليوم من كمال؛ فالجهد الذي بذله أسلافنا الأوائل للتنسيق بين أفعالهم البصرية وحركات أيديهم، والذي هو نوع من النشاط العلمي التجريبي، وإن كان في صورة بدائية، كان أحد أسباب نمو المخ، والذي عن طريقه تحول الإنسان تدريجيا من الحيوانية إلى الإنسانية، إذن العلم - بمعنى ما - أقدم من الإنسان.»

1

هكذا يطرح كراوثر المنهج العلمي في بواكير التحاور بين المخ والمعطيات الحسية والخبرات التجريبية أو بين الدماغ واليد، وتصويبها وتعديلها عبر آلية المحاولة والخطأ، وأثر ذلك على تطور المخ ليبلغ المرحلة الإنسانية. ومن هذا المنظور تكون المحاولات البدائية للعلم، أقدم عهدا من إنسانية الإنسان بل ومؤدية إليها. وقد أسرف كارل بوبر في تبيان أن التحاور بين الفرض والاختبارات التجريبية، أو بين الدماغ واليد عبر آلية المحاولة والخطأ، جوهر مفهوم المنهج العلمي. •••

وبالتالي فإن مع أولى بدايات الحضارة الإنسانية ترسمت أصول أنثروبولوجية صريحة لظاهرة العلم. ويتقدم الأنثروبولوجي الرائد برنسلو مالينوفسكي

مفهوم المنهج العلمي · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مفهوم المنهج العلميص ٣٣