119
وهكذا تؤكد لنا خبرة الحس المشترك أن الإنسان حر.
ولكن هل يصلح الحس المشترك كحجة يقوم عليها مذهب فلسفي؟ إنه حتى ولو كان هكذا كما رأى جورج مور وكامبل وسواهما، فإنه - كما أثبتنا آنفا - إن كان يحدس الحرية، فإنه أيضا يحدس الحتمية الفيزيقية فيفسح المجال للنقيضين، مؤكدا الوقوع في الازدواجية والشيزوفرينيا التي نهيب بحرية المذهب أن تبرئنا منها، وعلى أية حال، كنا قد انتهينا في (الفقرة 10) من أية محاولة لإثبات الحرية على أساس الحس المشترك.
هكذا كانت بداية مذهب الحريين ضعيفة، والمذهب ذاته أضعف، وأي تحليل له يؤدي إلى نتائج ليست فقط لا يمكن الدفاع عنها، بل أيضا متناقضة مع ذاتها ومع مسلمات لا يمكن الإعراض عنها.
ومنطوق هذا المذهب يقوم على أن الإنسان يمكن أن يثاب أو يلام على الفعل، فقط إذا كان يستطيع أن يختار، وبالتالي يستطيع أن يتصرف بطريقة أخرى، وتقريبا كل الفلاسفة أيا كانت مشاربهم يتفقون على أن إمكانية التصرف بطريقة أخرى هي المقدمة الشرطية الضرورية للمسئولية الخلقية.
120
ومن هنا يقرر هذا المذهب ببساطة أن الإنسان حر؛ لأنه يستطيع أن يفعل غير ما يفعله، بمعنى أن ثمة بديلا آخر متاحا له ومفتوحا أمامه، والفاعل قد اختار بفعل إرادي حر واحدا من هذين البديلين (أو أكثر من اثنين)، الخلاصة: طالما أن الإنسان مسئول يثاب ويلام، فلا بد وأنه حر مختار بين بدائل متاحة له.
إذن قد بات واضحا لماذا كان هذا الاتجاه ضعيفا غريقا، وكانت الحرية بأسرها هكذا، فتلك هي النتيجة المتوقعة من صراعه اليائس مع جبروت الحتمية التي تشكل المعضل الأخلاقي (راجع فقرة 11)، وتحكم بأن كل حدث ضروري وسواه مستحيل فتنتفي تماما إمكانية البدائل تلك، وهي الشرط الأساسي لمذهب الحريين، ولكل حرية، الحتمية العلمية تقرر ببساطة، وبيقينها المطلق دائما، أن أحدا لا يستطيع أن يفعل غير ما يفعله، «وإذا كان كل فعل لكل فاعل يعتمد بظروفه الخاصة على شرط فيزيائي معين قد تم تحققه، وكانت الأفعال الإنسانية ككل لا يمكن أن تتحرر من قانون المعلولات الفيزيائية والعلل المحتمة تماما»،
121
كان التناقض الإبستمولوجي، فضلا عن التناقض المنطقي
122
قائما بين الحتمية العلمية وبين مذهب الحريين، وإقرارهم بإمكانية فعل بديل غير ما فعل.
ولما كان الحريون لا يملكون إلا اعترافا بأن العالم الفيزيقي هو بلا جدال الإطار الذي تحدث داخله الأفعال الإرادية،
123
كانت الحتمية العلمية تلزمهم - كما تلزم سواهم - بالاعتراف بأن مثل ذلك البديل ليس البتة متاحا أمام الفاعل، فيظل المذهب مجرد أحلام طوباوية، فمن أين السبيل إلى الواقع، والواقع حتمي؟ عادة ما يتلمس الحريون ذريعة مؤداها أن «الحتمية الكونية نسبية، وحرية الاختيار أيضا نسبية»،
124
وأنا حر في الحالات العادية التي لا يوجد فيها مانع خارجي يحول بيني وبين تحويل اختياري للبديل إلى فعل «ولست حرا في الحالات الأخرى»،
125
فصحيح أن الأحداث والأفعال السابقة قد تحتم فعلا وبصورة كاملة تلك اللاحقة، ولكن يمكن أن نجد بعض أحداث أو أفعال غير محتمة تماما بسوابقها، وها هنا فقط تقع الحرية والمسئولية،
126
ولكن أين يمكن أن نجد مثل هذه الأفعال؟ يجيب الحريون: إنها تقع في المستقبل، فقد ميزوا بين «يمكن» على وجه العموم وبصورة أنطولوجية، وبين «يمكن أن يفعل» بصورة عينية على وجه الخصوص، التي تخص الفاعل المعين في الموقف المعين، هذه تعني «يستطيع»، وتحليل يستطيع هو بالضبط تبيان لكل عمله الذي لم ينجز بعد،
127
أي القائم في المستقبل؛ وعلى هذا نجد أن النطاق الملائم للفعل الحر والإرادة لا يطابق بحال أي شيء في العالم الفيزيقي، إنه فقط يؤثر عليه.
لذلك فالعالم بخصائصه العلية، مهما كان حتميا هو بالنسبة لنصير هذا المذهب ملائم تماما لتأكيد أنه لا شيء في هذا العالم يحتم تماما الغايات النهائية والمواضيع والمثل التي يعمد الفاعل الحر - إذا ما كان حقيقة حرا - إلى تغييرها في العالم.