تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس فحسب، بل وأصبح مبدأ الحتمية هو صلب العقلانية بعينها، هو قضها وقضيضها، هو هيكلها وإطارها، لكل من رام فهما نسقيا للطبيعة ... وكان من يشكك فيها مثلا كالمتصوفة أو كالأب نيقولا مالبرانش

N. Malberanch (1638-1715) إنما يقطع الطريق أمام العلم، أمام كل دراسة مجدية لهذا الكون، فطوال عصور الفكر السابقة على القرن العشرين، كانت الحتمية مقولة أساسية وضرورية لدراسة الطبيعة، وللدراسة العلمية إجمالا، وحيث لا حتمية حيث لا استطاعة أمام البشر للتناول العلمي، أو حتى للتفكير العقلاني في الطبيعة، والعالم الذي نحيا فيه، إن أبطال الفكر العلمي في التاريخ هم الذين دانوا بالحتمية حتى النخاع.

ومن الناحية الأخرى، تطلعنا الدراسات التفصيلية الدقيقة لتاريخ الفلاسفة على أن المحاولات القليلة المتناثرة للخلاص من ربقة الحتمية الفيزيقية - باستثناء أبيقور كما سنرى - كانت متعثرة وشبه فاشلة، حتى ولو جاءت من أعاظم الفلاسفة كسقراط وأفلاطون، وأرسطو والإمام الغزالي.

إلى هذا الحد هيمن مبدأ الحتمية على الفكر البشري هيمنة طاغية، ولكن النقطة الحاسمة هي أن الفلسفة استطاعت عقلنته كمقدمة لعلمنته.

وصاحب الخطوة الأولى في هذا الطريق الفيلسوف الإغريقي ديمقريطس

Democritus (460-360ق.م.) وهو أبو الذرة أو صاحب الفرض الذري بوصفه المادة الخام التي صنع منها هذا الوجود!

ولم تكن فلسفته الذرية إلا تطبيقا دقيقا لمبدأ الحتمية، فالذرات نفسها لا تتغير، وهي في حركة مستمرة لكنها حركة ذاتية تلقائية، بما يمكن أن نسميه الآن القصور الذاتي، ولا تهتز إلا بفعل تصادم مع ذرات أخرى، وبالتقاء الذرات توجد الأشياء، وبانفصالها تفسد، ولكن ما إن بدأت الذرات فثمة قوانين آلية غير قابلة للتبديل، قد حتمت كل حركاتها التاليات؛ لذلك فحالة الكون في كل وضع تعتمد فقط على حالته السابقة، وحاضره يقرر أمر مستقبله، إنها إذن الحتمية العلمية في أعتى صورها.

وقد تبعه فيها زملاؤه الفلاسفة الطبيعيين القبل - سقراطيين، وهم طبيعيون؛ لأن فلاسفة الإغريق في هذه المرحلة السابقة على ظهور سقراط تدور فلسفاتهم حول الطبيعة، في محاولة للإجابة عن السؤال: ما هي المادة التي صنعت منها الطبيعة؟ وكانت إجابة ديمقريطس - وهي خلاصة أسفرت عنها المناقشات الفلسفية على مدى قرنين من الزمان - أن المادة التي صنعت منها الطبيعة هي الذرة. ومع القرن التاسع عشر كان العلم قد أخذ هذا الفرض الذري من الفلسفة لتبدأ الانطلاقة الجبارة للعلوم الذرية، فهل أدركنا مدى حصافة وثقب نظر التأملات الفلسفية؟!

وصحيح أن الحتمية الفيزيقية تعرضت لشيء من البلبال مع الثالوث الأعظم للفلاسفة: سقراط وأفلاطون وأرسطو، إلا أنها عادت لتكتسب قوة وشمولية في العصر الهلينستي - أي العصر التالي لفتوحات الإسكندر وموت أرسطو، وذلك مع المدرسة الرواقية (من القرن الثالث ق.م. إلى القرن السادس م) التي تعد من المعالم البارزة في تاريخ المبدأ الحتمي، فإذا كانت حتمية ديمقريطس أكمل صورة، وستظل هكذا حتى نهاية العصر الوسيط، فإنها محض حتمية فيزيقية - أي منصبة على تصور الطبيعة فقط، خصوصا وأن ديمقريطس أقر بالحرية الإنسانية والمسئولية الخلقية! هذا في مقابل الحتمية السقراطية والأفلاطونية التي كانت معرفية أخلاقية تقتصر على أن المعرفة بالحق والخير تحتم سلوك الإنسان ولا تترك أمامه اختيارا، فمن غير المعقول أن يعرف امرؤ ما هو الخير ويتركه، وأفلتت منها الحتمية الفيزيقية، أما مع أهل الرواق فلأول مرة في التاريخ تصبح الحتمية مبدأ أخلاقيا وفيزيقيا، إبستمولوجيا وأنطولوجيا (معرفيا ووجوديا) في آن واحد، مبدأ جامعا مانعا لمجمل الوجود وما فيه ومن فيه، فلا تفلت من حتمية الرواقيين صغيرة ولا كبيرة، لا في الإنسان ولا في الطبيعة.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٩