وعلى الرغم من أن هذا الجهد الإرادي لن يقدم أو لا يمثل فكرة جديدة، فإنه قد يعمق أو يطيل من أمد الوعي بموضوع الانتباه؛ على هذا قد يقتصر دوره على إضافة ثانية قد تكون حاسمة وعليها يتوقف الفارق بين عقلية أو بين شخصية وشخصية، وكانت دراسة جيمس العلمية لسيكولوجية الإرادة، توضح أن مجمل دراما الحياة الإرادية يتوقف على كم الانتباه الأقل قليلا أو الأكثر قليلا الذي قد تتلقاه الأفكار الدافعة المتنافسة.
60
وهكذا نعى الإرادة الحرة بغير أن يصارعها أو يصرعها الفرض الحتمي المنهجي.
وأول نقطة يجب أن نفهمها في سيكولوجية الإرادة هو أن الحركات الإرادية وظائف ثانوية لا أولية للأعضاء، أما الحركات الانعكاسية والغريزية والعاطفية، فكلها مهام أولية، وأول المتطلبات القبلية للحياة الإرادية إنما هو مدى الأفكار عن الحركات المختلفة التي هي ممكنة، تخلفها في الذاكرة خبرات عن أداءاتها الإرادية، وهذه الأفكار على نوعين فقط، إما مقيمة في موضوعها وإما بعيدة عنه،
61
ولا تحتاج الأفعال الإرادية لأي شيء آخر سوى هذا المدد.
وإذا حللنا الميكانيزم العصبي للفعل الإرادي فسنجد بفضل مبدأ الاقتصاد في الوعي، أن الشحنة الدافعة له يجب أن تكون خلوا من الإحساس؛ لأنها تؤدي الحركة بدقة تامة، فيكفيها أن تطبع فورا رمزها
clue
العقلي الخاص بها، وأن يكون هذا الرمز غير قادر على إثارة أية حركة أخرى،
62
وهنا نلاحظ التطابق بين القرار الحر والفعل الحر.
يرى جيمس أن الإنسان يتخذ قرارا حرا في أعقاب فعل من أفعال التعمد الإرادي، ويحدد خمسة أنماط أساسية للقرار:
أولا: النمط العقلي، حين تكون حجج في صالح أو ضد فعل متاح، قد استقرت في العقل بطريقة تدريجية وغير محسوسة تقريبا، لتنتهي بأن تخلف وراءها توازنا واضحا في صالح أحد البدائل، وهو بديل سوف يتخذ بغير جهد أو قسر، وقد يبدو أن القرار هنا نابع من طبائع الأشياء، ولا يدين بشيء إلى إرادتنا، بيد أننا نملك على أية حال، إحساسا تاما بأننا أحرار، من حيث إننا نخلو من أي إحساس بالقهر.
في النمطين التاليين، لا يبدو سبب يحدد أيا من الفعلين، كل منهما يبدو جيدا، فيضنينا إحساس بالتردد وعدم الحسم حتى نشعر بأن القرار السيئ أفضل من عدم اتخاذ أي قرار، وتحت هذه الشروط قد تنشأ ظروف عارضة تقلب هذا التوازن في اتجاه أحد البديلين، وفي النمط الثاني يكون القرار نابعا من هذه الظروف العارضة، أما في النمط الثالث، فإن تحديد القرار أيضا أمر عارض، بيد أنه يأتي من الداخل لا من الخارج، من الجهاز العصبي نفسه، الذي يندفع إلى أحد البديلين.
في النمط الرابع أيضا ينهي العقل فعل التعمد فجأة، كما حدث في النمط السابق، وهو يأتي حين ينتقل من أحد البديلين إلى الآخر، على إثر تجربة خارجية أو تغير داخلي لا يمكن تفسيره، وفي النمط الخامس، نشعر بأن الدليل غائب تماما أو حاضر تماما، وفي أي اختيار نشعر بالحرية الكاملة،
63
هذه الحالة تناظر ما أسماه الفلاسفة بحرية استواء الطرفين.
نخلص مع جيمس إلى أن الإرادة علاقة بين العقل وأفكاره، وأن الجهد الإرادي جهد للانتباه، ويبدو دور الإرادة الحرة فيه أساسيا بتحديد كم الانتباه، وأكد جيمس أن «كم الانتباه هو الظاهرة الأساسية للإرادة».
64
ولكن جيمس كان يدرك جيدا أن مشكلة الحرية أوسع كثيرا من أن يحيط بها علم النفس،
65
وأعمق كثيرا من مجرد كم الانتباه، وإلا كان جيمس لم يزد شيئا على القديس توما الإكويني الذي انتهى إلى القول بأن: «حريتنا تنحصر في سيطرتنا على أحكامنا، وسيطرتنا على أحكامنا تنحصر في سيطرتنا على انتباهنا.»
66
والحق أن هذه المعالجة السيكولوجية، لم تكن إلا ركنا في رحاب نظرية الحرية الفلسفية التي تخلقت واكتملت في ذهن جيمس قبل شروعه في هذه الدراسة السيكولوجية. ••• (35) على هذا لا بد أن يأتينا من جيمس الفيلسوف فيه ليكمل جهد العالم، فتكتمل معالجة الحرية في العالم اللاحتمي، وكان طريق جيمس لإنجاز هذا، يتلخص في مناهضة الواحدية باعتبارها صورة الحتمية النافية للحرية والجدة، والانتصار للتعددية باعتبارها صورة اللاحتمية المثبتة للحرية والجدة.