وهذه على أية حال مهمة لن تصعب علينا؛ إذ نجدها في صفاء بلوري مع، وفقط مع، أبيقور وبصورة معجزة، حتى إن أساسها اللاحتمي يبهر العلماء المعاصرين، والحرية فيها واقعة أنطولوجية أكيدة، ولم يلق أبيقور إلا الاستخفاف والاستهانة إن لم نقل الازدراء، فقبع في زاوية مهملة من تاريخ الفلسفة وراحت الحرية في غياهب الليل الحتمي الطويل، والذي فصلنا الحديث عنه فيما سبق أيما تفصيل.
وبعد أبيقور نغادر الأصل التاريخي، لنقبل على إشراقة اللاحتمية في القرن العشرين، فيأتي أهم فلاسفة الحرية وليام جيمس المخضرم الذي عاش حياته في قلب مرحلة الانتقال من الحتمية إلى اللاحتمية العلمية، إنه فيلسوف عظيم وعالم في الوقت نفسه، أخلص للفلسفة إخلاصه للعلم، وأبدع فيها وأسدى إليها وأضاف إليها، حتى إنه بفضله قد أصبح ثمة أخيرا كيان مستقل ذو شخصية متميزة تماما ألا وهو الفلسفة الأمريكية؛ لكل هذه العوامل أوليته عناية كبيرة.
وبتوديع وليام جيمس، نتوجه إلى قلب القرن العشرين إلى عصر اللاحتمية، ولما كان العلم هو صاحب الفضل في هذه اللاحتمية، ولما كنا علميين نبحث عن الحرية من المنظور العلمي، ولما كنا قد أهملنا - إلى حد ما - العلماء خصوصا الفيزيائيين طوال حديثنا السالف عن الحرية وبعد أن تعاهدنا وتعاقدنا معهم في مقدمة البحث على أن يكون لهم حق الحديث أولا ونحن لا نريد أن ننسخ العقد ولا أن ننقض العهد ... لهذه العوامل سنعرض لنظريتين فلسفيتين للحرية في العالم اللاحتمي هما لعالمين فيزيائيين عظيمين، ذوي اهتمامات فلسفية لا تقل عظمة، إنهما آرثر إدنجتون وهولي كومتون، ثم نردف هذا بالنظرية العامة للحرية في العالم اللاحتمي، غير المقترنة بفيلسوف معين، إنها الاتجاه الفلسفي الموسوم باسم
Libertarianism
الذي وضعت له ترجمة لم أجد أفضل منها هي: مذهب الحريين، وقد تناولته بصورة واسعة بحيث لا يعود مذهبا أخلاقيا فحسب، بل مجرد اتجاه يعبر عن الاعتراف بالحرية في - وفقط في - العالم اللاحتمي، ويبدو هذا وكأنه مسلمة فلسفية أو أصل من أصول التفكير الفلسفي بغير الاقتران بأي اتجاه. ••• (26) «في الأبيقورية»: «تنحرف الذرة أيسر انحراف؛ لكي توجد الأجسام والكائنات الحية والمصادفة فلا تضيع إرادتنا الحرة» كما يقول بلوتارخ، وقد كان إمامها أبيقور
Epicurus (341-270ق.م.) أول فيلسوف في التاريخ حاول إدخال عنصر المصادفة الموضوعية في بنية الطبيعة؛ لكي يكسر الحتمية الفيزيقية والضرورة الكونية فيستطيع إثبات حرية الإنسان، فقد أدرك أولا الأهمية القصوى لمقولة الحرية، وأنها واقعة معاشة جياشة في الصدور، وأن أي «مذهب في فلسفة الأخلاق لا بد وأن يضع مصادرة حرية الإرادة كي ما يصبح فعالا»،
1
وأدرك ثانيا: «أننا لكي نصون حرية الإرادة لا بد وأن نقرها في صميم أساس العالم الفيزيقي»،
2
أدرك إذن الارتباط اللزومي بين الحرية الإنسانية وبين اللاحتمية الأنطولوجية فاستطاع أن يحل الإشكالية بفرض أسماه الانحراف الذري
Atomic Swerve ، وأبيقور بهذا الفرض، صاحب الفلسفة الطبيعية الوحيدة في الفكر القديم التي استطاعت الوصول إلى اللاحتمية فانحل معها معضل الحرية، وقد سبق أن استضفنا إمام الذرية ديموقريطس في المدخل إبان الحديث عن تاريخ الحتمية العلمية ورأينا مدى تمثيله المعجز لها، يبدو إذن أن الفلسفة الذرية الإغريقية بتمهيدها للعلم تحمل أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى، فتماما كما كان العلم الذري صاحب الفضل الأول في كسر الحتمية الفيزيقية التي ورثها عن العلم النيوتوني وذرية دالتون، نجد أن الذرية الهلينستية/ذرية أبيقور هي صاحبة الفضل في كسر الحتمية الفيزيقية التي ورثتها عن ذرية ديموقريطس والفلسفة القبل سقراطية، فهل يمكن أن نعتبر مبدأ الانحراف الذري لأبيقور مناظرا لمبدأ اللاحتمية في الفيزياء المعاصرة؟ ولم لا؟ لقد كان هذا الأخير أصلا من أجل النسق الفيزيائي إبستمولوجيا؛ فأدى تحققه الموضوعي إلى صورة أنطولوجية تحل معضل الحرية، وقد كان، الأول هكذا إلى حد ما، ولئن بدا لنا ساذجا فجا فلأنه في عصر فيه كانت الفيزياء بأسرها ساذجة وفجة، وكما أشارت الدكتورة أميرة مطر، أننا إذا نظرنا إليهم بمنظار عصرنا كنا أحق، ولكن لو نظرنا إليهم بمنظار عصرهم سنكون أعدل، وأردفت هذا بالدعاء: «رباه اكتبني من العادلين.» فلنكن عادلين وننظر إليهم بمنظار عصرهم.