تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

31

لأن اليقين مجرد حالة عقلية وفعل من أفعال الإنسان، يرفض رينوفيه الحسية التجريبية على أساس أن الظاهرة تقوم على الامتثال الذي لدينا فحسب، ولا تمتثل إلا بالقدر الذي يكون به لدينا شعور عنها، بعبارة أخرى الواقعة الأولية للشعور هي القوة الخلاقة حقا،

32

هي الحرية.

والحرية عند رينوفييه، مرادفة لمقولة الشخصية؛ ذلك أنه قد وضع نسقا للمقولات شبيها بنسق كانط، وإن كان يرفض اعتبار النقائض غير قابلة للحل، ومن أجل الحرية أدخل الغائية مع العلية - مثله مثل لاشيليه - في قائمة مقولاته، كما أدخل الشخصية. ويختم تعريفه للحرية بتأكيد أنها الجوهر الأصفى للشخصية الإنسانية، أو هي بمثابة مبدأ الفردانية في الشخصية،

33

ويقدم في كتابه «بحث في علم النفس العقلي» الأساس السيكولوجي للحرية الإنسانية، وبالاستناد إلى رافيسون يؤكد رينوفييه أن تطور الإرادة هو الانتقال من التلقائية البسيطة إلى التلقائية الحرة التي تؤذن ببزوغ الشعور الإنساني في حضن الطبيعة.

34

نظرية رينوفييه من النظريات الشامخة في تاريخ فلسفة الحرية، وقد بعث إليه وليام جيمس أعظم تلامذته يقول: «إليك يرجع الفضل في أنه أصبح لدي ولأول مرة مفهوم واضح معقول للحرية، إنني أكاد أتقبل هذا المفهوم كلية»،

35

وعلى الرغم من هذا، ومن جهوده الرياضية والعلمية من أجل الحرية فإنها معه لم تحرز أي توفيق حقيقي بينها وبين العلم، وظلت أولا وأخيرا نظرية ميتافيزيقية، بل ومدرسية على حد تعبير جيمس نفسه، وإليه أهدى كتابه: «بعض مشكلات الفلسفة» حيث يقول: «أظن أن رينوفييه وقع في أخطاء، والرأي عندي أن طريقته إسكولاستيكية [أي مدرسية] إلى أقصى حد.»

36

وكان رينوفييه يفضل دائما كتاب «علم الأخلاق» من بين مؤلفاته جميعا؛ لأنه يرى نفسه أساسا فيلسوفا أخلاقيا، وبهذا يتضح أن لاحتميته لم تكن نزيهة بل مغرضة، إنها من أجل إزاحة معضل الأخلاق في العالم الحتمي.

على أن التالين لرينوفييه من هذا الفرع الوضعي النقدي، كانوا أكثر إخلاصا لقضية الحتمية واللاحتمية العلمية، بل وبصرف النظر عن ارتباطها بالحرية، فثمة جبرييل تارد (1843-1904)، الذي رفض متأثرا بكورنو تلك الحتمية التاريخية والاجتماعية والنفسية، بل وفي محاولته لجعل هذه العلوم عملية أكثر، دعا إلى تفسير ظواهرها بالتدخل العرضي لأفكار صغيرة، وثمة أيضا الشاعر بوكس بورل (روني الأكبر) الذي أخرج كتابه «الكثرية» أو «التعددية» ليفند الواحدية والحتمية وفكرة الضرورة المطلقة في القوانين، وليسهم إسهاما مفيدا في تعيين حدود العلم وتأكيد المصادفة والاحتمال واللاحتمية، وسيبقى الرياضي جول تانري (1848-1910) صاحب أفضل الأبحاث عن مشكلة حدود المعرفة العلمية، وقد أكد أنها ستظل دائما نسبية، واستحق تانري بجدارة لقب الخصم اللدود للحتمية العلمية والميكانيكية، ومثله الرياضي إميل بورل، الذي أخرج عام 1914 كتابه «المصادفة» يثبت فيه أن التفسير الميكانيكي غير كامل ولا بد من إكماله بتفسيرات إحصائية، ويأتي الرياضي جاستون مليو (1858-1918) لينزع - بتأثير بوترو - الحتمية عن قوانين الطبيعة، وخصوصا الحتمية السيكولوجية؛ لأنه يستحيل أن يقوم عليها برهان، أما أرتور هانكان (1856-1905) فقد كرس جهوده لإثبات أن الفرض الذري روح العلم وأساس كل العلوم، حتى الرياضة، وأن «المعرفة التي يعطينا إياها الفرض الذري لا تنطوي على دقة مطلقة، ولا يمكن أن تكون إلا معرفة تقريبية»

37

وبالتالي لا يمكن أن يكون العلم إلا لاحتميا. ••• (23) ألا ما أعظم هذه الحركة الفرنسية التي بوركت بثورة العلم اللاحتمية التالية لها مباشرة بل والموصولة بها، ولا شك أن دور هؤلاء الرياضيين الأجلاء كان جوهريا في فتح الطريق المظفر أمامها، وتنقيته من الشوائب الحتمية - لقد علمونا أن الحتمية العلمية ليست «تابو» الاقتراب منه حرام.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٦٩