تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Freedom ، والمستوى الثاني تحرر

Liberty ، وقد توجد حرية بغير أن يتحرر بها الإنسان، على أن الحرية في مستواها الأول - الحرية الأنطولوجية - هي الأساس الأولي والشروط اللزومي والمسوغ الضروري للحرية في مستواها الثاني والذي بدونه تنتفي أية مشروعية للبحث عنها؛ لأن كل تلك الحريات العينية الجزئية البعدية كائنة بالطبع في هذا الكون، ولو كانت كل أحداثه محتمة سلفا في تسلسل علي بدء ببدء هذا الكون، يجعل كل ما يحدث لا بد أن يحدث ويستحيل أن يحدث سواه، فما جدوى اكتساب الحرية السياسية مثلا أو عدم اكتسابها طالما أن وقائع التاريخ ككل أحداث هذا الوجود محتومة؟ وما جدوى تحمل مسئولية الحرية الشخصية أو عدم تحملها طالما أن عوامل الوراثة والبيئة قد حتمت سلفا ردود أفعال معينة وبالتالي قرارات وتصرفات معينة، بل وطالما أن مسار حياتي قطرة من طوفان الأحداث الكونية السائرة في المسار المحتوم وهلم جرا ...

على هذا لا بد من إثبات الحرية الأنطولوجية، بعبارة أخرى، الوعي بها وإدراكها قبل أي محاولة للبحث عن حريات عينية على المستوى الثاني، وإلا وقعنا في ابتسار النظرة أو التناقض الذاتي ثم الانفصام أو الشيزوفرينيا.

الحرية الأنطولوجية وضع وجودي، حيثية من حيثيات الوجود الإنساني، تساؤل يثيره مجرد وجود الإنسان في هذا الوجود؛ لذلك فهي في واقع الأمر تلك المشكلة الفلسفية العريقة التي انشغل بها الفلاسفة منذ ديموقريطس وحتى الآن، أما الحرية في المستوى الثاني فلم تظهر كمشكلة حادة تتطلب النظر والتنظير فضلا عن العمل إلا مع الفلسفة الحديثة؛ كنتيجة للتطور التاريخي الحضاري الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والذي فجرته عوامل شتى على رأسها تقدم العلم وبدء فعالية قواه التكنولوجية.

كانت الحضارات الشرقية القديمة، كما يزعم هيجل، تسلم بالحرية العينية لرجل واحد هو الحاكم أو الأب والعبودية لكل من سواه، وحين أتت الحضارة الإغريقية كان تضررها من الطغيان، لا سيما بعد اتصالها أو قهرها عسكريا على الأقل للحضارة الفارسية ورؤيتها لنظام الملكية المطلق فيها وفي مقابل نظام المساواة الغريب في أسبرطة،

32

وعلى الرغم من هذا وأيضا من أن الحرية السياسية بمعنى استقلال الدولة، دولة المدينة بالنظر إلى الخارج والديمقراطية في داخلها كانت شعارا مرفوعا استخدمه على الدوام كتاب التاريخ منذ أواخر القرن الخامس عشر ق.م.، وأنها انتقلت من اليونان إلى الرومان

33

على الرغم من كل هذا فإن الإغريق أحرزوا تقدما كميا لا كيفيا وكميا غير ذي بال، فكانت الحرية كل الحرية للمواطن الأثيني والعبودية للنساء والرقيق والأجانب، ولم تتغير الأحوال الاجتماعية كثيرا في العصور الوسطى، وحتى أفولها لم يلح على الأذهان تساؤل حاد بشأن الحرية في مستواها الثاني. وحين انتهت العصور الوسطى وتخلقت البيئة الحضارية للعصر الحديث - عصر العلم الحديث والفلسفة الحديثة - ألقى العلم على كاهل الوجود كل تلك الحتمية التي رأيناها، فهدد بل خنق الحرية الأنطولوجية حتى اعتراها الذبول وشحوب الموت، وفي الوقت نفسه تكاتفت العوامل الأيديولوجية والاجتماعية والاقتصادية لتترعرع حريات المستوى الثاني كائنا غضا يافعا جذابا يستأثر بالاهتمام، ولكنه بغير أساسه، الحرية الأنطولوجية، كائن ينمو مجتث الجذور بالوجود أو الواقع الأنطولوجي، ليدب الفصام في قلب مشكلة الحرية يسفر في النهاية عن التنائي الشاسع بين مستوييها أو شطريها حتى أباح المفكرون لأنفسهم بوعي أو بدون وعي إنكار شطر والإقرار بالآخر فتفاقمت هلامية الحرية، كدالة من دوال الشيزوفرينيا التي تلخص الآثار الوبيلة لمعضل الحرية في العالم الحتمي، والتي سيوضحها الفصل الثالث (الفقرة 18).

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ٢٨