تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مع اللاحتمية يختلف موقف اللص عن موقف المصاب بجنون السرقة، الأخير وعيه غير سوي، ومرضه ينفي أو يضعف احتمالية السلوك السوي المتسق مع المبادئ الأخلاقية، فلا مسئولية، أما مع اللص فقد انتفى هذا النفي، لتصبح المسئولية كاملة، سطحية الحتمية أفضت إلى ضم الإنسان والحيوان والجماد في نسق العالم الواحد مما يرفع المسئولية عن الإنسان على أساس أنه خاضع لنفس حتمية الحجر الساقط على رأس شخصه فقتله، ولما كان من غير المعقول أن نلوم حجرا، كان من غير المعقول أن نلوم أي قاتل، أما خصوبة ورحابة وفعالية التصور اللاحتمي الذي يعني التعامل مع متغيرات أكثر، فيمكنه أن يضيف عنصر الوعي والجهد الإرادي المتعمد كعامل متميز في دراسة وفهم الإنسان، فيتحمل مسئولية ما فعل دونا عن الحجر الساقط غير ذي الوعي.

تلك هي النتيجة المتوقعة من انهيار التصور الميكانيكي الذي يرد كل شيء إلى كتل المادة الصلبة الساذجة، بل وانهيار الكتل الساذجة ذاتها وانحلالها إلى جسيمات وموجات، والذي لا خلاف عليه الآن، أنه قد اتضح أن مكونات المادة لا تشابه بأية حال الكريات الصغيرة والحبيبات الدقيقة التي كانت متصورة كمكونات للمادة في العالم الحتمي، أو كمكونات للعالم الحتمي ذاته، ومن المؤكد أن انهيار هذا المفهوم الحتمي للمادة، يمكن أن يكون فاتحة سبيل قد يفضي إلى قهر الثنائية الكبرى: العقل والمادة، ومن المؤكد أكثر أنه بالتكوين الجديد للمادة والنسيج الجديد للعالم الفيزيقي، يمكن أن يتحقق نسق العلم الواحد المنزه عن قهر إنسانية الإنسان والذي يرسم صورة لعالم نحن لسنا غرباء عنه كما كنا غرباء عن عالم العلم الحتمي بافتراضه التعسفية الجائرة، العالم اللاحتمي أصبح أقل قسوة وفظاظة، ومن الممكن التصالح معه، والبرء من الشيزوفرينيا الأليمة.

وكيف لا نبرأ منها؟ وقد أتى تصور الإنسان الفاعل الحر المسئول من قلب البناء الأنطولوجي المستقي من الدلالة الإبستمولوجية للعلم، أي التفسير العقلاني للكون، المتوج بحلم أن يحرز العلم ككل وكفروع أقصى درجات التقدم، وبعد أن ودعنا مرحلة الشيزوفرينيا ومبرراتها، أصبح كل تقدم للعلم اللاحتمي ظفر للإنسانية من كل الوجوه، وبكل أبعادها، فلم يعد العلم ليمضي في طريق إنكار الحرية الإنسانية، ولم يعد يملك حججا ضد معايشتنا الفطرية للحرية والاختيار. ••• (43) والحق أن في هذا القول تواضعا مجافيا للواقع، فالعلم المعاصر لا يقتصر على سحب إنكاره للحرية، بل أن يستلزمها، عرف علم النفس الفلسفي الإرادة الحرة بأنها الاختيارات التي نقول عنها إنها غير ذات حتمية ضرورية من قبل الجهاز العصبي، أو من أية علة فيزيائية أخرى،

23

فرفضها علم النفس الحتمي، على أساس أن العلل الفيزيائية لن تترك شيئا بغير أن تحتمه، فكانت الإرادة الحرة معبرة عن اللاشيء عن الوهم، ولكن الفيزياء المعاصرة علمتنا أن العلل الفيزيائية لا تحتم شيئا، وأن ذلك التحديد هو الوهم الباطل، فاستطاع علم النفس المعاصر، المعاصر جدا، أي علم النفس المعرفي

Cognitive Psychology «أن يستوعب هذا الدرس ويدرك أن الوهم الباطل في الحتمية السيكولوجية، التي تتصور الناس وكأنهم ينظرون من ثقوب الأبواب، منحصرين في صناديق، يستجيبون للمنبهات أو تعميهم الغرائز».

24

وكما تتعامل الفيزياء المعاصرة مع الاحتمال واللاتعين والمصادفة ... أي مع اللاحتمية بوصفها واقعا أنطولوجيا أكيدا، يتعامل علم النفس المعرفي مع الحرية الإنسانية كواقعة أنطولوجية أكيدة لكي يصل إلى صورة أدق للنفس البشرية، ألا وهي صورة الكائن العضوي النشط، الذي يتعلم الكثير عن بيئته وعن نفسه ويتفاعل مع خبراته المعرفية ويفعلها وهو بسبيله إلى الاستكشاف واتخاذ القرارات والتصرف، إن التخيل والتفكير والتذكر تحررنا من البيئة المباشرة، ليكون ثمة قدر من الحرية، ونحن ندفع ثمن هذه الحرية بإمكانية الوقوع في الخطأ، فمن الممكن أن نتصور أشياء ليست حقيقية وأن نتذكر أشياء لم تحدث قط، لكننا نكتسب إمكانيات النظر في بدائل جديدة.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفية · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحرية الإنسانية والعلم: مشكلة فلسفيةص ١٠٠