37
والآن لو تذكرنا أن المعرفة تسير في حلقات «م1
ح ح
أ أ
م» وارتددنا إلى الوراء، إلى أولى هذه الحلقات في العصور الحجرية؛ لوجدناها بدأت بأول م1 في التاريخ بتوقع فطري سابق على أية ملاحظة، أخطأ ووقع في مشاكل، فحاول الإنسان البدائي أن يعدله، فدخل في هذه العملية وانتهى إلى م2، جعلها م1 ... وهكذا.
إذن المعرفة في كافة مراحلها بدأت بفرض سابق على التجريب، ولا مكان على وجه الإطلاق لأدنى شائبة استقرائية في البنيان المعرفي.
ويتخذ بوبر عضدا لهذه النظرية الهامة، من أبحاث عالم النفس العظيم كونراد لورنتس
Konrad Lorentz
الذي يتبوأ مكانة عالية على عالم علم النفس الحيواني، ويتمتع بشعبية فائقة في وطنه النمسا؛ لما اشتهر به من تجارب بارعة، أثبت بها نتائج أكثر من رائعة من عالم جد غريب، عالم البط والأوز.
وعلى الرغم من أن الصبي كارل بوبر كان على معرفة بمواطنه الصبي كونراد لورنتس، إلا أن بوبر قد توصل إلى نظريته هذه قبل أن يسمع عن أبحاث لورنتس، ولما عرفها وجد فيها خير معين على دعاويه، والذي يهمنا من أبحاث لورنتس نظرية يصفها بوبر بأنها معجزة، وهي نظرية في علم النفس الحيواني يطلق عليها لورنتس اسم
Emprinting Theory
مؤدى هذه النظرية أن الحيوانات الصغيرة لها أسلوب عمل فطري
inborn mechanism
للقفز إلى نتائج وطيدة غير قابلة للزعزعة، فمثلا فرخ الأوز حديث الخروج من البيضة، يتخذ أول شيء متحرك تقع عليه عيناه على أنه أمه، وهذا الأسلوب في العمل ملائم في الظروف العادية، لكن قد يكون خطيرا في بعض الظروف،
38
حينما يكون هذا الشيء ثعلبا مثلا.
فرخ الأوز يخرج إلى الحياة متوقعا أن يجد له أما، متوقعا أن حجمها أكبر نسبيا من حجمه، أفلا يولد الإنسان - وهو تاج الخليقة - بأمثال هذه التوقعات لتكون نقطة البدء في محاولاته المعرفية، ولا تكون هذه النقطة استقراء وقائع الحس من الطبيعة، فيخرج أول إنسان في التاريخ بنتيجة استقرائية مصابة بآفة الاستقراء، جاعلة التصدع المنطقي لبنيان المعرفة متغلغلا حتى آخر الأعماق، كلا بالطبع.
غير أن لي ملاحظة هامة: نظرية التوقعات الفطرية الخطيرة هذه، التي كفلت تأمين العلم من أية شائبة استقرائية، حتى أولى بداياته، لها عضد هام هو عالم النفس العظيم كارل يونج
Carl Jung ، الذي أكد على الأصول العنصرية في التكوين السيكولوجي حتى إنه يعتبر شخصية الفرد نتاجا ووعاء يحتوي على تاريخ أسلافه،
39
وقد أدى هذا إلى اتهام يونج بأنه نصير النازية.
لكن الذي يهمنا الآن هو تأكيد يونج بأن الإنسان يولد مزودا بكثير من الاستعدادات التي يتركها له أسلافه، وهذه الاستعدادات توجه سلوكه، وتحدد جزئيا ما سيصبح شعوريا لديه وما سيستجيب له في عالم خبراته الخاصة، بعبارة أخرى هناك شخصية تتكون ابتداء ذات طابع عنصري وجماعي تتجه نحو عالم الخبرات بصورة اختيارية، كما أنها تتعدل وتتطور بفضل ما تتلقاه من خبرات.
وقد أطلق يونج على هذه الاستعدادات اسم الأنماط
Types
واعتبرها أحد العوامل الرئيسية في تكوين الشخصية.
إذن أكد يونج على استعدادات فطرية يولد الإنسان مزودا بها، تؤثر على تلقيه الخبرات من البيئة، بل وتتطور بتطور الكائن الحي، وهذا تأييد آخر لنظرية بوبر المنهجية، وتعميق سيكولوجي لها، الفارق الوحيد هو تأكيد يونج على أن هذه الأنماط أو الاستعدادات تتأثر بالعنصر الجنسي البشري؛ أنماط السامي غير أنماط الآري ...
هذا لا يعني نظرية بوبر، لكن أيضا لا يضيرها، ولقد عكف يونج على دراسة علم الأساطير والدين والرموز القديمة، والطقوس وعادات الشعوب البدائية؛ مما جعله - بغير جدال - أعظم علماء النفس ثقافة وأعمقهم معرفة، وأشملهم فكرا.
40
لعل السبب الوحيد الذي جعل بوبر لا يلتفت إلى هذا التأييد السيكولوجي لنظريته هو أنه ببساطة يعتقد أن نظرية يونج لا علمية؛ لأنها من تيار التحليل النفسي، والتحليل النفسي ليس علما، كما سيثبت الفصل الرابع من الباب الثالث من هذا البحث. (4) المهم الآن أن هذه التوقعات، أو الاستعدادات، هي أساس حل المشكلة السيكولوجية؛ لأنها تجعل التكرار والتماثل مفروضين على الطبيعة، وليس بسبب أثر العادات الاستقرائية، ولو تعمقنا قليلا لوجدناها أساس حل المشاكل المنطقية أيضا، حيث لم نجد أي انتقال من وقائع مستقرأة إلى فروض؛ لأن فلسفة بوبر المنهجية قائمة على حجر زاوية راسخ، هو أن الفرض سابق على إدراك الوقائع وعلى التجريب، وكانت الاستعدادات الفطرية تأييدا علميا يعمق هذه النظرية اللااستقرائية حتى أبعد الأصول؛ لذلك يقول بوبر: إن حله للمشكلة السيكولوجية أهم وأسبق زمانيا من حله لبقية المشاكل الاستقرائية؛