تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبديهي أن الملاحظة العلمية يجب أن تتصف بالدقة والنزاهة وتوخي الموضوعية، وأن تستند على الدقة التي توجب استخدام الأجهزة المذكورة آنفا، أما النزاهة والموضوعية فيوجبان: التجرد عن كل هوى شخصي، والتعبير الكمي القياسي عن الملاحظة.

ولكن بعض الظواهر - وبالذات الظواهر الكيميائية - لا ينتظر الباحث فيها أن تحدث الظاهر فيلاحظها، بل يصطنعها أمامه في المعمل، فتكون الملاحظة هنا بالتجريب، وهذه التجربة تسمى التجربة الابتدائية

Elementary Experiment

69

أو العابرة، أي التي تجري فقط لتحقيق الملاحظة وجمع المعلومات عن مسار الظاهرة فهي بغير فروض تحققها، بل إنها تجرى للتوصل إلى هذا الفرض.

على ذلك فالخطوة الأولى التي هي جمع المعلومات، قد تكون إما بالملاحظة وإما بالتجريب الابتدائي حسب طبيعة العلم:

فهناك علوم تعتمد فقط على الملاحظة؛ لا سيما الفلك والجيولوجيا.

وهناك علوم تعتمد فقط على التجريب؛ لا سيما الكيمياء والطبيعة.

وهناك علوم تجمع بين الاثنين؛ لا سيما علوم الطب والحياة.

هذه هي المرحلة الأولى: مرحلة العيان الحسي، الذي نجمع به الحقائق التمهيدية عن الظاهرة موضوع الدراسة. (2) التعميم الاستقرائي

Inductive Generalization

ومن الأمثلة التي لاحظها الباحث أو جربها، يخرج بتعميم مطلق لنتيجة الملاحظة، تعميم يطبق فيه الباحث ما رآه، على ما لم يره من جميع الحالات المماثلة للأمثلة موضوع ملاحظته، تلك التي حدثت والتي تحدث الآن، والتي سوف تحدث، فمثلا إذا لاحظ الباحث أن بعض قطع من الخشب كلما تعرضت للهب اشتعلت؛ خرج بتعميم استقرائي ينطبق على جميع قطع الخشب في كل زمان ومكان وهو «الخشب قابل للاشتعال»، أو مثلا كما لاحظ باستير من تجاربه على بعض عينات لمواد قابلة للفساد، ملاحظة خرج منها بتعميم استقرائي هو «لا تفسد المواد القابلة للفساد إلا إذا تركت مكشوفة.» (3) افتراض الفرض

Hypothesis

ثم يحاول الباحث افتراض فرض يعلل به ما وصل إليه من تعميم استقرائي، كأن يفترض أن الخشب قابل للاشتعال لأنه يتحد بالأكسجين، أو كما فعل باستير حين افترض أن الهواء يسبب الفساد؛ لأنه يحتوي على كائنات دقيقة، الفرض إذن هو محاولة اكتشاف العلاقة العلية التي تحكمها في كل زمان ومكان، هو - على حد تعبير إرنست ماخ - تفسير مؤقت للظاهرة.

أما عن نشأة الفرض فهي تقوم على عوامل خارجية وأخرى باطنية؛ العوامل الخارجية هي الخطوة الأولى التي جمع الباحث فيها الملاحظات، وعليها يتأسس الفرض، وقد يلقى الفرض فيها مصادفة؛ أما العوامل الباطنية فهي نصيب العالم من الذكاء وحصيلته المعرفية، وبتفاوت قدرات العلماء تتفاوت قيمة فروضهم.

والفروض على نوعين؛ فهي إما فروض جزئية متعلقة بأحوال معينة لأحداث معينة، وإما هي فروض عامة، والفروض العامة على قسمين؛ المبادئ والنظريات.

المبادئ هي الروابط العامة التي تربط بين جملة قوانين؛

70

أي إنها قوانين مفرطة في الكلية، شديدة العمومية، أما النظريات فهي التي تفسر مجموعة من الظواهر تدخل في نظام واحد، أما عن شروط الفرض لكي يكون علميا فهي: (أ)

يقوم على أساس الملاحظة والتجريب، فلا يكون فرضا خياليا، ولا يكون مجرد ربط منطقي بين الأفكار، فمثلا قانون الديناميكا الحرارية يقول: إن الحرارة تنتقل من الأجسام الأكثر سخونة إلى الأجسام الأقل سخونة في حالة التماس بينهما، في حين أن التفكير المنطقي الخالص لا يمنع افتراض أن الجسم الأسخن هو الذي يسحب الحرارة فتزداد حرارته، ويزداد الجسم الملامس له برودة. (ب)

ألا يكون متناقضا،

71

لا مع نفسه ولا مع الوقائع المسلم بها. (ج)

أن يقبل التحقق، فيمكن للتجربة أن تثبت صحته أو خطأه، وهذا شرط غاية في الأهمية؛ لأنه هو الذي يكفل استمرار الإجراءات الاستقرائية، حتى نصل في النهاية إلى الهدف، وبعد أن يضع العالم على هذا النحو فرضا مستوفيا لهذه الشروط، ينتقل للخطوة التالية. (4) التحقق من صحة الفرض

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٢٥