تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأخيرا، فقد عرض هذا البحث للخطوط الأساسية لفلسفة كارل بوبر للعلوم من خلال مناقشة مشكلة تمييز المعرفة العلمية وحلها بواسطة معيار القابلية للاختبار والتكذيب، وأوضح أن هذه الفلسفة - شبه الموضوعية - في جملتها تتلخص في كلمة واحدة هي: النقد، وإن عني هذا البحث - بحكم فرع تخصصه - بأسلوب النقد الفني المنطقي المختص بالعلوم الطبيعية الذي يميزها، فالعلم يضع فروضا جريئة تكاد تشبه خلق الأساطير والتصورات الدينية، غير أن الفارق الذي يميز العلم عن الأساطير والميتافيزيقا والدين، ويجعله دونا عنها دائم التقدم، هو قابليته للنقد والاختبار؛ أي التكذيب.

18

لكن بوبر لم يقصر أهمية النقد على العلم، فبينما يرى هنري بوانكاريه في النقد حياة العلم، يرى فيه بوبر حياة كل نشاط عقلي، سواء أكان معرفيا يهدف إلى الحقيقة أم سياسيا يهدف إلى العدل والمساواة والحرية والسلام، أو حتى مجرد نشاط حيوي يهدف إلى حل أية مشكلة،

19

ولكن لما كان بوبر فيلسوفا معرفيا على وجه الخصوص، فقد أكد أن التناول النقدي للمشاكل المطروحة ولحلولها ولمسار إجراءاتها ونتائجها، وفي كل ميدان من ميادين البحث المعرفي، هو السبيل الأوحد والذي لا سبيل سواه إلى أي تقدم، النقد هو شريطة التقدم؛ لأن التقدم لا يمكن أن يحدث بغير حذف الأخطاء، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أن المعرفة لا تنمو بمجرد التراكم الآلي بل بالتصويبات الجذرية الثورية والتكذيبات العنيفة؛ لذلك كله أكد بوبر - في كتابه: المعرفة الموضوعية تناول تطوري - على أن النقد هو أهم وظائف الملاحظة والتعقل بل وأيضا الحدس والخيال؛ إذ يجب أن نستخدم جماع ملكاتنا في الاختبارات النقدية لتلك الافتراضات الحدسية الجريئة التي بواسطتها نقتحم المجهول، وليس الفروض فقط، بل كل جزيء من معرفتنا يجب أن يعرض للنقد ...

لذلك كله لم يكن بوبر مجرد ناقد لا يعرف الرحمة لأنه مفكر خلاق، بل وكان أيضا فيلسوفا ذا منهج نقدي،

20

يوضح في كل مناسبة النقد الأمثل وكيف يكون، ويوضح شروطه من أنه يجب أن يكون موضوعيا وقاسيا قدر الإمكان، وأنه من الضروري الإحاطة بموقف المشكلة ودراسة ومقارنة جميع الحلول المطروحة حتى ننقد الحل المعنى، وأن نحاول أن ننقد أنفسنا خير من أن ينتقدنا الآخرون، وأن نقد النظرية يجب أن يكون وهي في أبهى صورها وأقواها، بل ويجب قبل أن ننقدها أن نرحم أخطاءها الصغيرة كي نركز فقط على الأخطاء الكبيرة الجوهرية، وهذا ما فعله بوبر نفسه في «عقم المذهب التاريخي»، فهو قبل أن ينقد المذهب عرضه بوضوح وأورد له من الحجج ما لم يورده التاريخيون أنفسهم، وهذا الشرط الأخير هدفه أن نركز فقط على الأفكار الرائدة العظيمة المبسطة، وألا ننشغل بالأفكار الفرعية فنقع في مستنقع المدرسيين، وكل ذلك لكي يكون النقد مثمرا.

21

وأخيرا فإن ما يزيد من أهمية النقد، هو أن نظرية بوبر المنهجية والمعرفية - كما أوضحنا آنفا - تؤكد أننا لا نبدأ أبدا من فراغ ، بل من تراث معرفي سابق لا بد أن نثريه ونضيف إليه، وليس ذلك إلا بمنهاج النقد، وحذف الخطأ منه تبعا للصياغة «م1

ح ح

أ أ

م2».

والخلاصة أن فلسفة بوبر مجرد دعوة مكثفة لتنصيب النقد سلطانا فوق كل سلطان أو بالأحرى جعله السلطان الوحيد.

والآن، هل من شك في أننا أحوج بقاع الدنيا لهذا الدرس؟ فلن نجانب الصواب لو قلنا: إن مثل هذا المنهاج النقدي - خصوصا في تناولنا لميراثنا المعرفي - لا يدخل إطلاقا في تكوين العقلية العربية، ويا ليت فحسب، بل ويكاد يدخل في نطاق ما لا ينبغي! فالأمر الواقع هو أن أحدا من أبناء الحضارة العربية لا يدرسها إلا ليؤكد أنها أنشأت كل العلوم وأبدعت كل الفنون، وأسست كل اتجاهات الفكر، فأقامت المعجزة المعرفية وأردفتها بالاجتماعية، فأكدت كل حقوق الإنسان والحيوان أيضا، وذلك بالطبع بعد المعجزة العسكرية وأيضا السياسية، باختصار جمعت فأوعت وفعلت كل ما يمكن، وأحيانا ما لا يمكن أن يفعل؛ إذ ليس في الإمكان أبدع مما كان!

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٢٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٢٢٧