15
وحقا أيضا أن بوبر لاحتمي أصيل، ولعل اللاحتمية هي التي ألهمته سيكولوجيا بفكرة معيار التكذيب، ولكن من ناحية بنية تفكير بوبر بالذات واتجاه فلسفته، سنجد أن اللاحتمية هي التي تسير في اتجاه التكذيب وتتخذ منه معوانا لها، فلم تكن اللاحتمية - في حد ذاتها - هي الاتجاه العام الذي يحكم فلسفة بوبر، إنما هذا الاتجاه هو النقد واكتشاف الخطأ، فهو بمثابة العمود الفقري لفلسفة بوبر، أو هيكلها الذي تملؤه بقية نظرياته الفلسفية حسب موضوع التفلسف، من نظرية المعرفة «العقلانية النقدية» إلى منهج العلم ومنهج الفلسفة والأيدلوجية السياسية ... وبصفة أكثر شمولا، نجد بوبر يرى في النقد العمود الفقري لشتى المحاولات على وجه الأرض، أولم يكن البحث عن الخطأ واستبعاده «أ أ» أحد العناصر الأساسية في الصياغة التي تصفها «م1
ح ح
أ أ
م2»؟
والقابلية للاختبار والتكذيب - أي لاكتشاف الخطأ - لا تعدو أن تكون أسلوب النقد الفني المختص بالعلم، وهي في الآن نفسه معيار العلم؛ لأن التناول النقدي هو ما يميز العلم،
16
ثم إن هذه الفكرة أولى أفكار بوبر زمانيا، فلعله تطرق بها من أهمية النقد بالنسبة للعلم إلى أهميته بالنسبة لكل نشاط، فهي إذن - وليست اللاحتمية - التي تحكم اتجاه بوبر العام، وتعضد اللاحتمية كما تعضد سائر أفكاره. (3) غير أن ثمة تأويلا طريفا بالفعل لارتباط معيار القابلية للتكذيب بفلسفة بوبر العامة، يمكن أن نستخلصه من مناقشة لبيتر مونز، إذ جعل للمعيار مهمة أخرى غير تمييز المعرفة العلمية ومعالجة منطقها، وهي حماية بوبر من المثالية، ذلك أننا إذا نظرنا إلى العلاقة بين معرفتنا وبين العالم الخارجي الذي تصفه، وجدنا أن إبستمولوجيا بوبر تجعل المعرفة سابقة على الخبرة وهابطة إليها مما يعطي انطباعا بأنها نوع جديد من المثالية، بل والمثالية بمعناها المتطرف الأفلاطوني، غير أن معيار القابلية للتكذيب القائم على أسس تجريبية والذي يمثل العمود الفقري لفلسفة بوبر بأسرها ويمثل أيضا فيصلا حاسما بين العلوم الحقيقية والعلوم الزائفة، يجعل بوبر فيلسوفا ذا أصالة معرفية تماثل أصالة أفلاطون، غير أنه أصوب مرارا؛ لأن معياره يكفل أخبار المعرفة التجريبية عن العالم التجريبي،
17
وهذا ما لم يستطعه أفلاطون، ولا أي فيلسوف آخر قبل بوبر. (4) ومن الناحية فقد ذكرنا آنفا أن رفض بوبر للاستقراء، يعني رفضه اعتبار التقدم العلمي نموا للوقائع المتراكمة كمكتبة متزايدة باستمرار، وأخذه بمنطق التكذيب يعني أن العلم ينمو عن طريق الثورات، البحث العلمي سلسلة مستمرة من الثورات اليومية الدائمة، تهدم وتغير وتعيد البناء، عن طريق خلق فروض جديدة دائما، ترفض الفروض القديمة وتحل محلها لا تتراكم فوقها.
وبنظرة شاملة، يعطينا بوليكاروف أربعة آراء تحصر تصورات تقدم العلم أو نموه هي: (أ)
تبعا لتتالي الأحداث الذي لا يحكمه أي اطراد عام، فإنه لا يمكن تفسير تقدم العلم، يمكن فقط وصفه، هذا هو تصور الوضعيين المعاصرين. (ب)
تقدم العلم يتم كسلسلة من التحولات أو الثورات التي تحدث بغير رابطة داخلية
internal link
وبوبر هو الممثل المثالي لهذا الرأي. (ج)
وكنقيض للرأي السابق، نجد الرأي التراكمي الذي يؤكد على استمرارية المعرفة العلمية وهو رأي شائع الانتشار بين مؤرخي العلم والعلماء الكلاسيكيين، مثال وليام ويول وبير دوهيم وجورج سارتون ونيلس بور وسائر الاستقرائيين. (د)
التصور الديالكتيكي لهيجل وماركس وإنجلز، وتبعا له يؤدي التقدم التدريجي إلى قفزات كيفية، تصبح بدورها نقطة البدء لتراكم كمي جديد،
18
تبعا لقانون الكم والكيف الجدلي.
ولقد انفرد بوبر بتأكيد النظرية الثورية، تماما كما انفرد بالمواجهة الساحقة الماحقة للاستقرائيين؛ لذلك اعترض عليه الاستقرائي هيلاري باتنام، مؤكدا أن التراكم له أهمية ميثودولوجية كبيرة تتلخص فيما يلي: (أ)