تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجيمس كلارك ماكسويل

Clark Maswell

وغيرهما في تفسير خواص الغازات على أنها شبيهة بخواص الآلة،

4 «وبذلك جهود مماثلة في الضوء والجاذبية، ورغم أنها فشلت فإن هذا لم يزعزع إطلاقا الاعتقاد بأن الكون في نهاية الأمر يمكن تفسيره تفسيرا آليا محضا، وكأن العلماء يشعرون بأن كل ما يحتاجون إليه هو أن يبذلوا مجهودات أعظم مما بذلوا، عندئذ تظهر الطبيعة غير الحية في نهاية الأمر سافرة عن آلة كاملة دقيقة في عملها.»

5

وهذا التصور الآلي يعني أننا سائرون صوب حقيقة نهائية، مما أدى إلى الحتمية واليقين، واعتبار كل إنجاز علمي ناجح حقيقة قاطعة، أو توصل إلى حقيقة قاطعة.

غير أن التطورات الفيزيائية في القرن العشرين حطمت كل هذا، وأصبح الإجماع الآن على أن نهر المعرفة يتجه نحو حقيقة غير آلية، وقد بدا الكون يلوح أكثر شبها بفكر عظيم منه بآلة عظيمة،

6

ونتيجة لهذا التصور الجديد وسببا له، ألف العلم التقدم الثوري المستمر، والانتقال من نصر عظيم إلى نصر أعظم، فأدرك أنه لن يبلغ ذروة المنتهى أبدا، ولم يعد يتحرج من التعثر في موضع أو آخر، فسلم بحساب الاحتمال، وأحله محله اليقين الساذج، وإن كان بوبر قد عمق الموقف أكثر، وأصله تأصيلا؛ إذ لم يقنع فقط بالاحتمال بل جعل القابلية للتكذيب معيار العلم، المهم في هذا أن فكرة الحقيقة النهائية القاطعة قد ذوت تماما، وسلم العلماء بأن التكذيب قدر لا يشين العلم بل يشرفه، ثم إنه محتوم، فهذا ماكس فيبر

Max Weber (1864-1920م) الفيلسوف والعالم الاقتصادي السياسي، يوضح أن الإنجاز في الفن وفي العلم على السواء، يحتاج إلى تكريس الجهد والحياة، غير أن الإنجاز الفني يظل محتفظا بجديته على الدوام، أما الإنجاز في العلم فسوف يتخطاه الزمن خلال عشر أو عشرين أو خمسين من السنين، فهذا هو مصير العلم وهو مغزاه،

7

وإن مآل كل تحقق علمي يعني أسئلة جديدة تريد أن تتجاوزه وتتقدم عليه، فعلى كل من ينشد خدمة العلم أن يوطد نفسه على ذلك، وأن يتخطانا القادمون علميا، ليس قدرنا المشترك وحسب، بل هو هدفنا أيضا، ونحن لا نستطيع العمل دون أن نأمل في أن الآخرين سوف يتقدمون إلى أبعد مما وصلنا إليه، وهذا التقدم يستمر من حيث المبدأ إلى غير نهاية،

8

هذا هو التصور المأخوذ به حاليا، والذي استطاع منطق التكذيب أن يعالجه معالجة منطقية دقيقة، والذي على أساسه قال سير جيمس جينز

Sir James Jeans (1873-1946م): ليس أهم ما أنتجه علم الطبيعة في القرن العشرين هو نظرية النسبية وما أدت إليه من إدماج الفضاء والزمن معا، ولا هو نظرية الكم وما يبدو منها في الوقت الحاضر من إنكار القوانين السببية، ولا هو تمزيق الذرة وما كشف عنه هذا التمزيق من أن الأشياء ليست كما تبدو في ظاهرها، بل أهم من هذا كله إقرارنا العام بأننا لم نلمس بعد الحقيقة النهائية، فكأننا كما قال أفلاطون في تشبيهه الشهير لا نزال محبوسين في كهفنا، مستديرين للضوء ولا نستطيع أن نشاهد غير الظلال على الجدار.

9

وقد كانت فلسفة بوبر التكذيبية للعلم، محصلة منطقية لهذا التطور الخطير في بنية التفكير العلمي، فهو أولا يؤمن فعلا بالحقيقة المطلقة أو الصدق الموضوعي فقد جعله مبدأ تنظيميا لشتى الجهود المعرفية، ولكنه يرى - هو أيضا مثل جينز - أننا في أية لحظة سجناء محبوسون في إطار نظرياتنا وآمالنا وتجاربنا الماضية ولغتنا، ولكننا سجناء بالمعنى المجازي، وفي وسعنا إذا بذلنا الجهد أن نتخلص من هذا الإطار في أي وقت، ولكن مما لا شك فيه أننا سوف نجد أنفسنا مرة أخرى في إطار آخر، ولكن أفضل وأرحب، وفي وسعنا أن نخرج من هذا الإطار مرة أخرى،

10

إننا بحاجة دوما إلى تحطيم الإطار كي نتقدم، هذا ما ينبغي أن يكون، ثم إنه قابل للتحطيم؛ لأنه قابل للتكذيب، هذا ما هو كائن، وتلك هي خلاصة فلسفة بوبر للعلم التي هي تكذيبية.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ٢٠٥