76
لحل المشاكل الجزئية، كما راح بوبر في مناقشات مطولة ينقد الفكر اليوتوبي الذي يعني تصور نهاية العالم وخاتمة تطوره، ويوضح ما يقف أمامه من استحالة منطقية، ونقد أيضا الدعوة إلى العنف الدموي التي مجدتها الماركسية ويوضح استحالة التقاء العقلانية التي تعني الاعتراف بأني قد أقطع في الخطأ مع الدعوة إلى العنف، والتضحية بجيل الثورة من أجل أجيال لم تأت بعد وقد لا تأتي،
77
كما نقد بوبر أيضا نظرية فائض القيمة، وأوضح أنها خاطئة تماما تغفل عوامل أساسية في الإنتاج وفي قوانين البيع والشراء، وعلى الرغم من الرأي الشائع بأنها أهم نظريات ماركس، فإن بوبر حللها تحليلا يوضح أنها لا ضرورة لها إطلاقا، وأن الماركسية تصبح أقوى وأفضل لو حذفنا نظرية فائض القيمة منها، وأساس كل هذا نقده للقيمة العلمية الماركسية ومنطقها المادي الجدلي، باختصار نقد بوبر الماركسية نقدا مدمرا من كل موضع وكل زاوية يمكن منها النقد، «وليس من السهل أن يدرس أحد نقد بوبر للماركسية ويظل على اقتناع بمبادئها أو حتى على تعاطف معها؛ لذلك يرى الماركسيون فيه أبرز وأهم نقادهم المعاصرين، وأن حججه أقدر الحجج وأقواها، وأنها تضم كل ما يمكن أن يقال في نقد الماركسية.»
78 (3) ولكن هذا البحث معني بزاوية واحدة من نقد بوبر للماركسية، وإن كانت أساس كل الزوايا الأخرى، وهي الخاصية العلمية للنظرية، وذلك على ضوء الحل المطروح لمشكلة تمييز المعرفة العلمية، بعبارة أخرى: هل ينطبق معيار القابلية للتكذيب على النظرية الماركسية فتكون بهذا علما، أم لا ينطبق فتكون «لا علم»، أم أن الأمر بخلاف هذا وذاك؟
إن النظرية كما وضعها ماركس، هي نظرية علمية لأنها قابلة للتكذيب، فقد كانت محاولة جريئة وضعت في صورة مقدمات يمكن أن نشتق منها نتائج هي تنبؤات، تمثل عبارات أساسية جديدة، يمكن مقارنتها بالعبارات الأساسية التي تنقل متغيرات الواقع التاريخي الخارجي، غير أن الوقائع كذبت كل تنبؤاتها فلا بد من الاعتراف إذن بأنها كاذبة وتركها إلا أن أتباعها لم يعترفوا بهذا، وظلوا على تمسك بها، فحطموا بذلك القاعدة المنهجية بضرورة قبول التكذيب، واتخذوا خططا تحصينية
immunizing Strategy
تحمي نظريتهم من أقوى التفنيدات؛ لذلك أصبحت بصورتها الراهنة «لا-علم»، أو كما يسميها بوبر: عقيدة دوجماطيقية مقواة
Reinforced dogmatism : أو حلما ميتافيزيقيا اقترن بواقع قاس.
وقبل أن نناقش التنبؤات التي كذبت، نلاحظ أن هذا ليس كل ما في الأمر، فلو واجهنا مجمل النظرية بمجمل منطق المعيار لوصلنا إلى نتائج في غاية الخطورة، ولكننا لا نستطيع الآن التصدي لهذه المواجهة ودفاع الماركسيين ورد بوبر لدفاعهم ... إلخ، فالحيز المتاح للماركسية ها هنا لا يسمح بهذا،
79 ⋆
ويكفينا أن المعيار أصدر الحكم بأنها كاذبة. (4) والآن كيف أصدر المعيار هذا الحكم؟ فعل هذا على أساس ما طرحه من قاعدة منطقية دقيقة تقول: إن أي تناقض بين التنبؤات التي نشتقها من النظرية، أي بين ما تخبر به، وبين الوقائع التجريبية للعالم الواقعي، يعني أن النظرية كاذبة، وسيوضح بوبر كيف تناقضت الوقائع التاريخية مع كل ما أنبأت به النظرية الماركسية: (أ)
تنبأ ماركس بأن الطبقات ستختصر إلى طبقتين: البرجوازية والبروليتاريا؛ لأن البروليتاريا ستبتلع الحرفيين والصناع والفلاحين والتجار، وتنكمش البرجوازية، مما يزيد من التناقض وحدة الصراع الطبقي، فينهار النظام البرجوازي وتجيء الاشتراكية.
غير أن هذا لم يحدث وليس من المحتمل أن يحدث، ومهما تقدمت الصناعة لن تختفي طبقة المزارعين بالذات، وقد أوضح بوبر أن التطورات التاريخية بعد ماركس لم تسفر عن طبقتين، بل عن الطبقات الست الآتية: البرجوازية - كبار ملاك الأراضي - الملاك الآخرين - العمال الزراعيين - الإداريين والفنيين - العمال الصناعيين. (ب)