63
لكن لم يصب فرويد تماما، فليست الحدود الحضارية هي التي أعجزت فرويد عن فهم الإنسان السوي، بل قصور إجراءاته المنهجية هي التي أعجزته، واعتماده فقط على أقوال المرضى، ثم إنه صاحب أول نظرية في تطور الشخصية، ومع ذلك نادرا ما درس الأطفال،
64
ولعله اقتصر على ملاحظة أطفاله الستة!
ولنلاحظ أن الخطأ الكبير في الاقتصار على فحص المرضى يشمل كل التحليليين، فسيكولوجية يونج تقوم هي الأخرى على النتائج الإكلينيكية أكثر منها على البحث التجريبي؛ لذلك رفضها التجريبيون الصارمون كما رفضوا نظرية فرويد.
65
وحتى أدلر - مؤسس الاتجاه الاجتماعي الذي ينتصر له فروم - قد أجرى هو الآخر معظم ملاحظاته التجريبية في المجال العلاجي، وكان معظمها يقوم على إعادة بناء الماضي كما يتذكر المريض، وتقدير السلوك الراهن والحكم عليه على أساس التقريرات اللفظية للمريض،
66
وهذا هو السبب في نقد باتريك ملاهي له من أنه سطحي، وافترض أن مشاعر الضعة والعجز هي ذات أهمية أساسية في جميع الأطفال بدون أن يرى أن الأطفال الذين يربون في محيط صحي لا تثقلهم مشاعر كهذه،
67
فلو كان أدلر درس الأسوياء كما درس المرضى لما افترض أن مشاعر النقص والتعويض أساسية في بناء الشخصية الإنسانية، وأيضا نجد المرضى وعلاجهم هم اهتمام كارين هورني الأول، واهتمام هاري ستاك سوليفان الوحيد، ومن هذا الاهتمام يتطرقون إلى نظريات عن الشخصية بما هي شخصية. (7) وفي هذا الصدد - صدد التأكيد على اهتمام المحللين بالمرضى فقط، وبطريقة تمثل قصورا في إجراءاتهم المنهجية - يبرز تساؤل هام: ماذا عن الوقائع الإكلينيكية؟ المحللون لهم عيادات يستقبلون المرضى فيها، ويعالجونهم بواسطة نظريات التحليل، بل ويشفونهم في بعض الأحيان، وهاري ستاك سوليفان - على وجه الخصوص - حقق نجاحا عظيما في هذا الصدد، أليست الحالات الإكلينيكية تمثل وقائع تجريبية تربط النظرية بالعالم الإخباري ربطا اختباريا، فتمنحها السمة العلمية؟
في الرد على هذا اعترض بوبر بشدة على جدوى أسلوب الملاحظات الإكلينيكية وقال: إن هذه الملاحظات التي يعتقد التحليليون ببدائية وسذاجة أنها تؤكد نظرياتهم، لا تفعل ذلك أفضل من التأكيدات اليومية التي يقابلها المنجمون في ممارساتهم.
فالملاحظات الإكلينيكية، شأنها شأن الملاحظات الأخرى، هي وقائع تفسر في ضوء النظريات وليس أسهل من أن نفسرها بطريقة تجعلها تؤيد النظريات، وأيضا ليس أسهل من أن تقتصر فقط على جميع الملاحظات التي تؤيد النظريات، وقد سبق أن أوضح بوبر كل هذا أثناء مناقشة الاستقراء والتحقق، وثمة افتراض عام - من الناحية الأخرى - يوجه لمحاولة التحليل النفسي تأكيد نظرياته بهذا الأسلوب الإكلينيكي، وهو أن المعالج الذي تدرب في إطار النظرية يجد نفسه متحيزا أثناء ملاحظاته، فيجمع فقط ما يعتقد أنه مرتبط بالنظرية ولا يلتفت إلى غيره، وهذا الاعتراض ليس إلا تأكيدا لنظرية بوبر الميثودولوجية العامة، بالنسبة للتحليل النفسي.
لقد أصبح من الواضح الآن - من منطق التكذيب - أن السند الحقيقي يكون فقط من تلك الملاحظات التي تشكل اختبارات قد تجتازها النظرية وقد لا تجتازها؛ أي محاولات تفنيد، ويجب أن نتفق أولا على الملاحظات التي إذا لوحظت ستشكل تفنيدا للنظرية، وكما فعل آينشتين على سبيل المثال الواضح، ولم يحدث أبدا أن اتفق التحليليون على معايير محددة تعين بعض الاستجابات الإكلينيكية التي إذا حدثت يمكنها أن تفند تشخيصا محددا لهم، فضلا عن أن تفند النظرية التحليلية بأكملها، بل وإن نظرية التناقض الوجداني عندهم، وأيضا اللاشعور، تجعل مثل هذه المعايير مستحيلة.
68
من الناحية الأخرى، هل بحث التحليليون مدى تأثير نظرياتهم ذاتها على الاستجابات الإكلينيكية للمرضى، فضلا عن محاولة التأثير الواعية على المريض، باقتراح تأويلات معينة لحالته،