تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

37 ⋆

فقد ميز بوانكاريه بين الواقع المفرط التعقيد من جهة، وبين القوانين العلمية البسيطة التي تفرضها عقولنا عليه من الجهة الأخرى، فليست الطبيعة هي البسيطة، بل قوانينا التي نفرضها عليها هي البسيطة؛ لأن القوانين هي التي تفرض ما تريده على عالم يكاد يكون مصطنعا، وقد وصف بوانكاريه قانون نيوتن بالسهولة، بينما وصف حركة الكوكب بأنها معقدة، ومعنى هذا أن قانون نيوتن قد أعطى تفسيرا مبسطا لهذه الظواهر الطبيعية؛

38

لذلك يعطي بوانكاريه القانون العلمي ثلاث وظائف هي: السير بالعلم نحو الوحدة والتنبؤ، وتبسيط الظواهر الطبيعية المعقدة.

39

والحق أن بوانكاريه - لأنه رجل علم حقيقة - قد انشغل بمشكلة البساطة بجميع أبعادها: بساطة النظرية وبساطة المفهوم، بل وحتى بساطة الوقائع

Facts ؛ إذ رأى أن ينتفي العالم لموضوع دراسته أبسط الوقائع الممكنة، وهي التي يمكن استخدامها مرات متعددة، والتي بتكرر حدوثها، والمتألفة من أبسط عدد من العناصر وغير المتغايرة الخواص، وأوضح بوانكاريه أن هذه الوقائع هي على وجه الخصوص الوقائع المتناهية الكبر والمتناهية الصغر؛ لذلك انتقاها العلماء موضوعا للدراسة.

40

لكن الاتجاه البراجماتي ومعالجته للبساطة في جملته غير دقيق ولا يمكن أن يقنعنا، فهناك أولا صعوبة في التسليم بأساس هذا الاتجاه الذي يحلون بناء عليه مشكلة البساطة وسائر المشكلات؛ أي اعتبار القوانين العلمية بناءات منطقية ومحض أدوات، وليس لها أي محتوى معرفي «ثم إن فكرة المواءمة تعتمد كثيرا على المكونات السيكولوجية وظروف الناس المختلفة، وعلى الأدوات المنطقية والمادية المتاحة لهم، وعلى وجهات النظر التي يشتركون فيها، والغايات التي يهدفونها، وعوامل أخرى عديدة، وأكثر من هذا فحتى لو تمكنا من إضفاء شيء من الموضوعية، فإن المواءمة ليس من الضروري أن تتصل بإمكانية قبول المفاهيم والنظريات العلمية، وكثيرا ما تكون النظريات الصادقة بل والمفيدة ليست موائمة بدرجة كبيرة.»

41

الاعتقاد بأن الطبيعة بسيطة:

لكن ليس هناك أي دليل على صدق هذا الاعتقاد، ثم إن تاريخ العلم يشهد بأحايين كثيرة تحطمت فيها الأنساق النظرية البسيطة وقبلت المعقدة، ثم إن هذا الاعتقاد يدل على مجرد فهم اعتباطي أو على أحسن الفروض حدسي «للطبيعة وللبساطة؛ لذلك فهو ميتافيزيقي؛ لذلك فمن الممكن أن يخدم كحافز للبحث لكن لا يقبل أي دحض أو تأييد بواسطة الدليل التجريبي.»

42

معيار الاختبار بين النظريات:

إذا ما تبينا أن الطبيعة بسيطة فإن هذا تبرير لاختبار النظريات البسيطة، وحتى ولو لم نتبين هذا فستبقى على أية حال أسباب أقوى من أن تكون مجرد مواءمة أو اتفاق،

43

والبحث عن هذه الأسباب هي الشغل الشاغل لفلسفة العلم تحت عنوان «مشكلة البساطة» لو لم نحلها سنجد العلماء يفضلون النظريات الأبسط حين تتساوى مع النظريات التي تنافسها في بقية المعايير الأخرى، لكنهم يقررون أن البساطة مرغوبة؛ لأننا نختار أبسط النظريات في الوقت الذي نختار أبسط النظريات لأن البساطة مرغوبة.

هذا الدوران المنطقي يوضح أن البساطة موضع إشكال، رغم أنها مطلب عزيز في العلم فمن الصعب تحديد معيار واضح يحددها بالمعنى الدقيق، ومن الصعب أيضا تبرير الأولوية الممنوحة للفروض والنظريات الأكثر بساطة، وبالطبع لا بد لأي معيار للبساطة من أن يكون موضوعا؛ لأنها ليست مجرد حدس أو سهولة حفظ أو تذكر للفرض أو النظرية

44

بل هي معيار للاختيار بين النظريات.

من هنا كان أفضل تناول لها هو تناول ر. س. رندر

R. S. Runder

إذ تناولها تحت مقولة البساطة الموضوعية المنطقية، مما يعني أنها لا ذاتية ولا سيكولوجية، وأنها تشير إلى البنية المنطقية لأوصافنا للعالم ولا نشير مباشرة إلى بساطة العالم نفسه.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ١٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ١٧٨