31
وهذا يكون أبسط لأنه يفضي بنا إلى العبارة الأكثر عمومية، التي تحل محل العديد من العبارات الأقل منها عمومية، وستكون أيضا أقرب من الصدق وأجرأ، باختصار أكثر قابلية للتكذيب.
32 ⋆
وكل هذا مختلف تماما عن مبدأ البساطة عند الاصطلاحيين، والذي يعني القدرة على تبسيط الظواهر الطبيعية التي هي معقدة،
33
والتبسيط هنا له مغزى استطيقي، والاصطلاحيون عموما يجعلون الصفة الحاسمة في التعامل مع النظريات العلمية للدوافع الاستطيقية، وحقا أن الدوافع الاستطيقية كائنة في زاوية أو أخرى من زوايا العلم، والفيثاغورية تبرز هذا، وكما يؤكد بفردج فإن الاهتمام بأحد فروع العلم قد ينشأ نتيجة الجمال الكامن في المادة، أو الطريقة الفنية المستعملة، وأن علماء التاريخ الطبيعي وعلماء الحيوان كثيرا ما ينجذبون إلى دراسة مجموعة معينة من الحيوانات بذاتها؛ لأنهم يجدون مظهرها بهيجا، وأن عالم البكتريا قد يحب استعمال أسلوب معين لأنه يتجاوب وحساسيته الجمالية
34
كما يؤكد ج. ن. ريدلي أن هناك جمالا داخليا كامنا في البنية المعمارية للتفكير العلمي،
35 ،
36 ⋆
لكن الدوافع الاستطيقية بمغزاها المتطرف تبلغ أقصى مداها في فلسفة العلم مع الاصطلاحيين والأداتيين، فقد نص هنري بوانكاريه على أن «العالم لا يدرس الطبيعة لأن هذه الدراسة مفيدة بل لأنه يجد متعة في هذه الدراسة، وهذه المتعة ترجع إلى أن الطبيعة جميلة، وإذا لم تكن جميلة، فإنها لا تستحق أن تعرف، بل وإن الحياة نفسها لا تستحق أن تعاش.»
37
وقد أوضح بوانكاريه أنه لا يعني الجمال الذي يثير الحواس، بمعنى جمال الخصائص والمظهر، وليس لأنه يزدريه أو لا يأبه به، كلا، ولكن لأن هذا النوع من الجمال لا شأن للعلم به، إذ يعني بوانكاريه الجمال الداخلي الكامن، الذي يأتي من النظام «الهارموني» المتناسق لأجزائها، والذي لا يستطيع إدراكه إلا نمط خاص من الذكاء البحت،
38
ثم إن هذا الجمال الداخلي هو الذي يهب الأجسام هيكلها، وبالتالي جمالها الخارجي الذي يخاطب الحواس ويتملقها، هو الذي يهبها تألق مرآها، وكمال جمالها، وبغيره يصبح هذا الجمال الخارجي مبهما غير محدد ومراوغا دائما، وعلى العكس من ذلك الجمال العقلي الداخلي، فهو مكتف بذاته، وإن العالم ليلزم نفسه بالعمل الطويل المضني، ربما من أجل هذا الجمال، أكثر من أن يكون من أجل مستقبل أفضل للإنسانية.
39
يبدو بوانكاريه متطرفا في الاستغراق في نشوته الجمالية بالعلم، مما قد يفصل العلم عن التزامه الحتمي بمشكلات المجتمع، ودوره الأساسي في الحضارة، لكن بوانكاريه على أية حال عالم فذ، وهو الأخبر بالعلم، خصوصا الرياضي منه، فلا بد وأن يكون الأقدر على الاستمتاع به، لا بد أيضا أن يكون هذا الاستمتاع أمرا يخصه هو وحده، وليس قاعدة منطقية ميثودولوجية، إنه يكاد يكون حالة نشوة سيكولوجية، وبوبر لا يوافق إطلاقا على إدخالها في نطاق منطق العلم. (4) وفي ختام مناقشة موقف العبارات الأساسية، نوضح أن شأنها شأن سائر جزئيات فلسفة بوبر، تتسق مع هذه الفلسفة، بل وتؤكدها، فقد أكدت خرافية الاستقراء، خرافية أسبقية الوقائع الملاحظة على النظرية، إننا لا نبدأ من هذه الوقائع لنصعد إلى النظرية بل على العكس نبدأ من النظرية التي افترضناها ثم - من خلال الاختبار الاستنباطي - نهبط إلى الوقائع التجريبية، إلى العبارات الأساسية التي نتخذ قرارا بالتوقف عندها؛ لهذا تمسك بوبر بأن منهج العلم هو الاستنباط نقيض الاستقراء.
ثم إن قبولها محض قرار، قد يتراجع العلماء عنه في وقت لاحق، بل لا بد وأن يتراجعوا، فهي إذن ليست صخورا جبلية، بل هي ركام لا يقوم على أساس، وإننا نتوقف عن السبر في أعماقه إلى حد معين، ليس لأننا وصلنا إلى قرار مكين، ولكن ببساطة لأننا قررنا التوقف وقررنا أن الاختبارات إلى هذا الحد كافية، وأنها كفيلة بالمهمة المنوطة بها، وهذه المهمة إنما هي فقط بالنسبة لوقتنا الراهن ولعلمنا اليوم، لنقيم عليها بناء معرفتنا في هذا الآن، وقد يأتي آخرون بعدنا يجرون اختبارات أعمق ، ويقررون التوقف عند عبارات أساسية أخرى؛ ليقيموا عليها بناء أشمل.