26
وكلما ازدادت النظرية في محتواها المعرفي وفي عموميتها وفي دقتها، كلما عينت هذا العالم أكثر، إن إمكانية التصادم مع الواقع - أي القول بما قد لا يحدث في الواقع فيكذب النظرية - هي التي تميز النظرية العلمية، إنها قدرتها على الاستبعاد على منع بعض الحوادث المحتملة من الحدوث، وكلما منعت النظرية أكثر كلما أخبرتنا أكثر،
27
وكلما عرضت نفسها لإمكانية انتهاكات أكثر، كلما زادت قابليتها للتكذيب.
فمثلا: «الماء يغلي في درجة مائة مئوية.» هذه عبارة علمية إذ يمكن مقابلتها بالواقع ممكن ألا يغلي الماء في هذه الدرجة، إذا حدثت هذه الواقعة، وحدوثها ممكن، يتم تكذيب العبارة، لكن نلاحظ أن العبارة تمنع حدوث غليان الماء في أية درجة أخرى، 60 درجة أو 90 درجة، وإذا أضفنا إليها تحديدا آخر وقلنا: «إن الماء يغلي في درجة 100 درجة في مستوى سطح البحر.» كانت هذه العبارة تخبر أكثر؛ لأنها منعت أكثر، فقد منعت كل ما منعته سابقتها، بالإضافة إلى أنها منعت غليان الماء في درجة 100 درجة فوق سفح جبل أو في هوة سحيقة، أو في أي مكان ضغطه الجوي، مختلف عن الضغط فوق سطح البحر، وإذا أضفنا إليها تحديدا آخر وقلنا: «في مستوى سطح البحر، يغلي الماء في درجة 100 درجة في الأوعية المكشوفة.» كانت هذه العبارة تخبر أكثر؛ لأنها تمنع غليان الماء في هذه الدرجة عند سطح البحر في الأنابيب أو في المراجل المغلقة، إنها تمنع الأكثر؛ لأنها تحتوي على المعلومات الأكثر، ولهذا قابليتها للتكذيب أكثر. (2) هذا المثال يوضح أن القابلية للتكذيب ترتبط بالمحتوى المعرفي ارتباطا مباشرا، بل إنها تقدم المحتوى المعرفي في قشرة بندقة
28
مما يجعل العلاقة بينهما تناسبا طرديا، فمثلا تزيد عمومية
Universality
العبارة بزيادة المحتوى، النظرية الأكثر عمومية ذات محتوى يفوق محتوى النظرية، أو النظريات الأقل منها عمومية؛ إذ إنها تمنع ما تمنعه، بالإضافة إلى ما جعلها أعم؛ لذلك فهي أكثر قابلية للتكذيب، وهي أيضا أغزر في محتواها المعرفي؛ لأنها تضم محتوى العديد من العبارات التي تعممها.
إن العبارة العلمية هي العبارة ذات المحتوى المعرفي الإخباري عن العالم التجريبي، وهي لذلك العبارة القابلة للتكذيب. (3) والمحتوى المعرفي
Informative content
للعبارة هو: محتواها التجريبي ومحتواها المنطقي. «المحتوى التجريبي
Informative content : هو فئة المكذبات المحتملة للنظرية؛ فهي العبارات الإخبارية التي تنتج عن النظرية، وإن لم تحدث كذبت النظرية.»
29
ونلاحظ أن هذا تعريف عام لا يصلح للعمل الفعلي في منطق العلم، ففي العادة، الذي يعنينا هو المحتوى التجريبي لنظرية عمومية شارحة، وكما سلف فإنها لا تعطينا بمفردها عبارات ملاحظة أساسية تمثل محتواها التجريبي، لا بد من عبارات ملاحظة أخرى، مثلا العبارة العمومية: «كل الغربان سوداء.» لا تعطينا بمفردها العبارة الأساسية: «الآن يوجد هنا غراب أسود.» فلا بد وأن نضيف إليها: «الآن يوجد هنا غراب.» لكن تلك العبارة العمومية بمفردها، يمكن أن نستنبط منها العبارة: «الآن لا يوجد هنا غراب أبيض.» وهذا هو الذي أرشد بوبر في تعريف محتوى النظرية إلى أن يقفل راجعا إلى فكرة أن النظرية تخبرنا عن الوقائع القابلة للملاحظة بقدر ما تخبرنا عن الوقائع التي تمنعها؛ أي بقدر ما تخبرنا عن الوقائع التي لا تتفق معها؛ لذلك كانت فئة عبارات الملاحظة - الأساسية - التي تناقض النظرية، تعين أو تساوي محتواها التجريبي؛
30
أي إن فئة المكذبات المحتملة
potential falsifiers
التي تجعل النظرية قابلة للتكذيب؛ هي محتواها التجريبي، مما يجعل المعيار يحتم - بل يعني - وجود محتوى تجريبي للعبارة، وماذا نريد من العلم أكثر من هذا؟