تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

فالفرض الميتافيزيقي يمكنه أن يحقق الجرأة بالمعنى الأول، يمكنه أن يحدس الحقيقة الكامنة التي لا تبدو للعيان، لكن لا يمكنه أن يحقق الجرأة بالمعنى الثاني، لا يمكن للفرض الميتافيزيقي أن يتنبأ بوقائع تجريبية ستحدث أمامنا في العالم التجريبي وقابلة للملاحظة، إنه لو فعل هذا لتعرض لمخاطرة كبيرة، مخاطرة الاختبار والتفنيد، مخاطرة التصادم مع الخبرة، إنها مخاطرة لا يقوى عليها إلا العلم؛ لذلك نكشف كل يوم أخطاء بعض من نظرياته فنتركها ونصل إلى الأفضل، بفضل إمكانية التكذيب كان العلم هو البحث الدائم التقدم، فإمكانية تكذيب العبارات العلمية هي قابليتها الشديدة للنقد والمراجعة لأن تترك وتحل محلها عبارات أفضل.

ومن هنا اقترح بوبر أن تكون الجرأة من النوع الثاني، والبعد المنهجي الذي يقابلها، أي الاستعداد للبحث عن الاختبارات والتفنيدات هو ما يميز العلم التجريبي عن اللاعلم، خصوصا عن الأساطير والميتافيزيقات في مرحلة ما قبل العلم.

9

البعد المنطقي والبعد المنهجي هما وجها عملة التكذيب الواحدة، حيث إن القابلية للتكذيب هي ذاتها القابلية للاختبار،

10 ⋆

يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي: «ما يميز الفيزياء التي يقدمها أفلاطون في محاورة «طيماوس» من الفيزياء الحديثة، أن أفلاطون يطلق الفروض في تفسيره للظواهر، وتحديد العناصر الأولية، وبيان الحركات السماوية، دون أن يمتحن صحة هذه الفروض بالتجارب والملاحظات.»

11

إن أفلاطون لا يختبر فروضه، أي لا يحاول تكذيبها، ولا هي قابلة للتكذيب؛ لأنها ليست علما. (3) المعيار إذن هو إمكانية للتكذيب، أي التفنيد والنفي، وليس إمكانية التحقق أي الإثبات فمثلا العبارة: «غدا سوف تمطر السماء شمال الوجه البحري.» عبارة علمية تجريبية؛ لأن الخبرة الآتية في الغد يمكن أن تكذبها،

12

يمكن أن تشرق الشمس غدا شمال الوجه البحري ولا تمطر السماء، فتدلنا الخبرة التجريبية على أن هذه العبارة كاذبة، إنها لذلك - وليس لإمكانية تحققها - علمية فحقا أن الخبرة الآتية في الغد قد تدلنا على أن السماء تمطر شمال الوجه البحري، وأن العبارة صادقة، غير أن هذا لا يجعلها علمية، أو بمعنى أدق ليس هو المحك الذي نعتمد عليه في اعتبارها علمية، رغم أنه يجعلها صادقة، إنما ذلك المحك هو قابلية التكذيب القائمة فيها على أية حال.

تمسك بوبر بالتكذيب جعله يتفادى كل مشاكل التحقق، فينجح في هدفه الأساسي وهو التمييز بين قضايا العلوم التجريبية الحقيقية سواء كانت صادقة أو كاذبة، وبين قضايا العلوم الزائفة مهما كانت صادقة، وبعد أن يميز بوبر العلم سيعالج منطقه معالجة تكفل له السير قدما نحو الاقتراب من الصدق أكثر وأكثر.

13 ⋆ (4) أما الذي يجعل القابلية للتكذيب معيارا تجريبيا قادرا على تمييز العلم التجريبي؛ فذلك لأنه يرسو على أسس تجريبية، هي العبارات الأساسية

basic statements

وهي عبارات تجريبية مفردة لها الصورة المنطقية للعبارات الموجودة المحددة، أو بتعبير تارسكي

14 ⋆

القضايا ذات الطابع الوجودي

existential character

التي تقرر وجود أشياء معينة متصفة بصفة معينة.

15

أي وجود شيء معين في زمان معين ومكان معين فتشير علانية إلى موضوع مادي يمكن ملاحظته مما يجعل من الممكن مباشرة إثباتها أو إنكارها على أنها إما صادقة أو كاذبة، وهذه العبارات مدموغة بالخبرة الحسية، إلا أنها لا تصف هذه الخبرة،

16

تبعا لفلسفة بوبر التي تثبت استحالة تدخل الحس الخالص في المعرفة.

أما العبارات الوجودية غير المحددة مثل «هناك «س» في مكان ما من زمان ما.» فهي تبعا لمعيار القابلية للتكذيب، لا يمكن أبدا أن تكون في حد ذاتها علما، هي لا علم؛ ذلك لأنها لا يمكن أن تخبر بشيء ما لم تنسب إليها الشروط التي تحددها، أي التي تجعلها وجودية محددة على الرغم من إمكانية اشتقاقها من قضايا كلية علمية قابلة للتكذيب، إلا أنها ليست من فئة العبارات الأساسية؛ لأنها ليست محددة تفتقر إلى الصورة السابقة المشروطة لعبارات الملاحظة.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلم · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة كارل بوبر: منهج العلم … منطق العلمص ١٤٢