at any cost .
8
هل يدعونا بوبر إلى تجنب المشاكل اللغوية والتحليل، حتى ولو كان في هذا التجنب خسارة نتحملها، هذا التعبير يوحي بأنه يعادي التحليل فقط من أجل العداء.
لكن بوبر أوضح أنه يعادي التحليل ليس من أجل العداء، ولكن لأنه لا يجدي في نمو المعرفة طالما أنه يحلل ما هو كائن ولا يضيف جديدا - كما أوضحنا في الفصل الثاني - لكن لا أعتقد أن بوبر أصاب في هذه الحجة؛ لأن التحليل يساعد على الإيضاح والدقة، وهذا من شأنه أن يساعد على التقدم، أو تمهيد طريق التقدم، هل من الضروري أن يأتي الباحث بنظرية جديدة ويصوغها في جملة محدودة ليكون قد أضاف للمعرفة، غريب حقا أن يتعلق بوبر فقط بهذا الأسلوب المباشر في الإضافة. (4) إن بوبر قد تناقض مع نفسه في الرفض القاطع للتحليل اللغوي جملة وتفصيلا؛ فقد أنكر تحديد منهج معين للبحث الفلسفي، أو مصدر معين للمعرفة، وقال: إن كل المناهج متاحة، وكل المصادر نرحب بها شريطة تعريض نتائجها للنقد، ثم عاد بعد ذلك وأنكر على التحليليين منهجهم اللغوي بالذات، رغم أن نتائجه قابلة للنقد البين-ذاتي؛ أي الموضوعي، كيف ينكره بعد أن أعطى الحق في ممارسة كل منهج، لقد فطن بوبر إلى خطئه هذا، فعاد في فاتحة الترجمة الإنجليزية من كتابه «منطق الكشف العلمي»، التي طرحت بعد عشرين عاما من الأصل الألماني، وقال: إن هذا المنهج اللغوي ممكن شريطة ألا يكون المنهج الوحيد، وبعد أن أنكر أدنى ضرورة للتحليل يعود ليقول في هذه الفاتحة: إن هناك فعلا بعض المفارقات المنطقية في حاجة إلى التحليل ليكشف عنها وأن التحليل قد يكون جزءا من الحل أو يساعد على الحل، لكن ليس الفلسفة كلها، ثم يعود بعد هذه الفاتحة مرة ثانية في سيرته الذاتية لينكر ثانية أدنى ضرورة للتحليل عامة أو للتحليل اللغوي خاصة أنه موقف متذبذب؛ لأنه غير متسق.
ودليل آخر على عدم الاتساق في هذا الموقف، هو:
بعد كل ما رأيناه عن عدائه للتحليلات الفيلولوجية الرامية إلى تحديد المعنى ... نراه كثيرا ما يستغرق هو نفسه، في تحليلات فيلولوجية مريدا بها أن يزيد المعنى وضوحا، في الباب السابق مثلا، رأيناه يدخل في تحليلات فيلولوجية كثيرة منها:
المعرفة بمعناها الذاتي ومعناها الموضوعي.
الأصل الفيلولوجي للفظ اللاتيني
interpretatic
الذي يقابل لفظ
interpret
في الإنجليزية ومدى دقة المقابلة بين اللفظين، وتطور اللفظ ومعناه على مر العصور، أحرام على بلابله الدوح حلال للطير من كل جنس، هو فقط الذي يحلل ويدقق في المعنى حين يريد.
حقا أن له موقفا يتسق مع اللامبالاة بمعاني الألفاظ، أي أول كتبه؛ فقد صدر في أوائل الثلاثينيات بعنوان
Logic der forschung
أي منطق البحث العلمي، ثم صدرت ترجمة الإنجليزية بعنوان
Logic Of Scientific discovery
أي منطق الكشف العلمي ليس هناك أي مبرر على الإطلاق لهذا التغيير في العنوان، فما الذي منعه من أن يخرجه في الإنجليزية بعنوان
Logic of Scientific research
أي منطق البحث العلمي، لا سيما وأن اصطلاح «البحث» أصوب بالنسبة لفلسفة بوبر، فهو يرى أن العلم ليس فيه كشوف بل هو محض افتراضات حدسية نبحث عن الأصوب منها، ومصيرها جميعا التكذيب، لقد أبدى بريان ماجي في حديث له مع بوبر دهشته مع هذا التغيير، ولم يعر بوبر هذا أي التفات، مرة أخرى موقفه الرافض بقطع للتحليل اللغوي، متذبذب لأنه غير متسق. (5) إن الاتجاه التحليلي قد ثبتت أركانه وتوطدت أقدامه، وجاء بنتائج لا يستهان بها
9
بل وكاد يثبت أنه من أكثر فروع الفلسفة إثمارا، وأصبح من أهم الفروع في الفلسفة المعاصرة، فقط انحصر النزاع فيما إذا كان هو كل الفلسفة أم بعضها وهو بالقطع بعضها.
فرغم أهمية التحليل فإن الفلسفة لو قصرت عليه لأصيبت بالغثاثة، وفقدت ما يجعلها فلسفة متميزة عن العلم، من حريتها في طرح أي سؤال وفي اتباع أي منهج، وفقدت مكمن روعتها وهو حرية التجول في وديان الفكر، فضلا عن أن الفلسفة بصميم طبيعتها لا تقصر على شيء، من هذه الوجهة - أعني قصر الفلسفة على التحليل - يمكن أن نعطي قيمة كبيرة لنقد بوبر، غير أن التحليل - كما يشهد الأمر الواقع - ليس هو كل الفلسفة المعاصرة هو مجرد تيار من عدة تيارات فيها، علينا أن نجني ثماره، في الوقت الذي نجني فيه ثمار التيارات الأخرى ونظرا لقوة التيار التحليلي، فلا يمكن اعتبار موقف بوبر الرافض له مباشرة تقييما أو حكما يصدر ، بل نعتبره فقط معبرا عن موقفه الشخصي ورأيه الخاص.