ومع فيرنر هيزنبرج
W. Heisenberg (1901-1976م) حدث التطور الأعظم أو الميلاد الثاني للكوانتم، وذلك حين وضع مبدأه الشهير المعروف باسم مبدأ اللاتعين
Indeterminacy
Principle ، وهذا المبدأ بصورته العامة يأخذ في اعتباره أدوات القياس أو الأجهزة المعملية وتأثيرها على الظواهر المرصودة، فينص على استحالة التعيين الدقيق لموضع الإلكترون، وسرعته في آن واحد؛ لأننا إذا أردنا أن نحدد سرعته لا بد من إثارة الاضطراب في موضعه، وإذا أردنا تحديد الموضع لا بد من إثارة الاضطراب في سرعته، ومن ثم فإن دقة تحديد أحد الجانبين تكون على حساب الدقة في تحديد الجانب الآخر. وهذا المبدأ الذي ينطبق على جسيمات الذرة قد لا يكون ملحوظا في الموضوعات الكبيرة، فيمكن إهماله بالنسبة للذرة ككل؛ لأنها كبيرة إلى حد ما فما بالنا بموضوعات الفيزياء الكلاسيكية، إنها من الكبر بحيث إن اصطدام شعاع الضوء بها لا يغير مسارها، أما في حالة جسيمات الذرة فإن الأمر يختلف؛ لأن التغيير الذي يحدثه الملاحظ وأدوات الملاحظة يجعل من المستحيل قياس الوضع والسرعة معا في نفس الوقت بنفس الدرجة من الدقة، هكذا لم يعد من الممكن إغفال أثر أدوات القياس والرصد والتجريب على الظواهر موضوع الدراسة.
وأصبح من الضروري في وصف العمليات الذرية، وضع خط فاصل واضح بين جهاز القياس الذي يمكن وصفه بالمفاهيم الكلاسيكية وبين الظاهرة دون الذرية التي تمثل دالة الموجة سلوكها. العلاقات الموجودة في كل من هذين الجانبين متميزة عن العلاقات الموجودة في الجانب الآخر، في الأول يمكن تطبيق المفاهيم الكلاسيكية أما في الثاني فلا بد من تطبيق معادلة التفاضل لميكانيكا الكوانتم، على أن وجود الخط الفاصل لا يبدو إلا في شكل علاقات إحصائية، وتأثير جهاز الدراسة على موضوعها هو إحداث إقلاق في منطقة الخط الفاصل الذي يفرض حدا قاطعا على تطبيقات المفاهيم الكلاسيكية.
22
هكذا أعلن مبدأ هيزنبرج الخروج النهائي من العالم الميكانيكي الحتمي، وفي واضحة الضحى.
استغرق مد ثورة الكوانتم العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، ثلاثين عاما حق اعتبارها أروع وأخصب الحقب في ملحمة العلم وفي ملحمة العقل البشري إجمالا. وهناك بعض الظواهر المحددة في العالم الماكروسكوبي - عالم الخبرة العادية - أمكن تفسيرها استنادا على قواعد ميكانيكا الكوانتم، مثل خصائص التبلور في المواد الصلبة.
23
ومن ناحية أخرى كان جيمس كلارك ماكسويل قد وضع في النصف الأول من القرن التاسع عشر معادلات تفاضلية تحكم المجال الكهربي والمجال المغناطيسي على السواء، فكان التوحيد بينهما في المجال الكهرومغناطيسي. وتقوم فيزياء القرن العشرين على أربع قوى أساسية في الطبيعة؛ هي القوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الشديدة والقوة النووية الضعيفة وقوة الجاذبية «أو التثاقل النيوتوني». وفي عام 1971م تمكن العلماء محمد عبد السلام وستيفن واينبرج
S. Weinberg
وشلدون جلاشو
S. Glashow
من توحيد المجال الكهرومغناطيسي والمجال النووي الضعيف في إطار الكوانتم، فحصلوا على جائزة نوبل مشاركة عام 1979م. ثم قطع شوط جزئي محدود في التوحيد بين هذا وبين مجال القوة النووية الشديدة «القوية». كما يحاول العلماء التوحيد بين القوى الأربع بما فيها الجاذبية في إطار نظرية الكوانتم. ومع هذا فإن الكوانتم لم يثبت سطوته ويحكم الميدان إلا في العالم الميكروسكوبي المتناهي في الصغر، عالم الذرة وما دون الذرة، فهل يعني هذا أن ثورة الفيزياء الكبرى في مطالع القرن العشرين قصرا على عالم الذرة؟ وظل العالم الأكبر بمنجاة عن مدها، قابعا في أمان تحت رعاية فيزياء نيوتن الكلاسيكية؟
الواقع أن الثورة على هذا المستوى الأكبر كانت أعنف وأشد وطأة على مسلمات الفيزياء الكلاسيكية وأكثر تقويضا لعالمها، فهذا هو ما فعلته نظرية النسبية التي وضعها ألبرت آينشتين - أول رجل في التاريخ استطاع أن يأتي بنظرية يمكن أن تحل محل نظرية نيوتن وتؤدي مهامها بصورة أكفأ وأدق.