تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كل إشعاع - وبالطبع ضمنه الضوء - يخضع لتحكم أعداد صحيحة من وحدة الطاقة الأولية، أي من الكوانتم، فتغدو الطاقة مؤلفة من وحدات أولية، هي الكوانتات جمع كوانتم، وحينما تنبعث الطاقة أو تستوعب، ينتقل كوانتم واحد أو اثنان أو مليون كوانتم، لكن لا يكون ثمة أبدا جزء أو كسر من الكوانتم، الكوانتم بمثابة ذرة الطاقة، ولكن مع ملاحظة أن حجم هذه الذرة، أي مقدار وحدة الطاقة، يتوقف على طول موجة الإشعاع الذي ينتقل به الكوانتم، فكلما كان طول الموجة أقصر كان الكوانتم أكبر؛

8

إذن يختلف كوانتم الطاقة في مقداره باختلاف أنواع الإشعاع، وبينما نعرف عددا معينا من الذرات يحددها الجدول الدوري لمندليف، ثمة عدد لا محدود من الكوانتات.

وها هنا نصل إلى اكتشاف بلانك الفائق الأهمية بخصوص مقدار الكوانتم وسيبدو مؤقتا بطلا متواضعا للنجاة من الكارثة فوق البنفسجية، كوانتم الطاقة - كما ذكرنا - يختلف باختلاف أنواع الإشعاع، فكلما قصر طول موجة الضوء، أي كلما ازداد ترددها، أو بعبارة أخرى كلما كانت أكثر بنفسجية، كلما ازداد كوانتم الضوء، ويعبر عن هذا رياضيا بعلاقة بلانك بين التردد وبين طاقة الكوانتم:

أو ط = ه د. «ط » ترمز للطاقة

energy

و«د » للتردد، أما «ه»

فمعامل التناسب، وهو ثابت في جميع أنواع الطاقة المعروفة حتى الآن؛ لذلك يعرف بثابت بلانك، «أو كوانتم الفعل» وهو ضئيل للغاية تبلغ قيمته: 6,55-10 −27

أرج في الثانية، «أي الرقم 6,55 مقسوما على واحد أمامه سبعة وعشرون صفرا»، ولما كان هذا ثابتا، كانت الطاقة ط تتغير فقط بتغير التردد د، أي بالتوغل في المنطقة فوق البنفسجية، وعلى هذا النحو تنحل ببساطة الكارثة فوق البنفسجية، التي أتت من الجمع بين قانونين؛ هما قانون بولتسمان/ستيفن وقانون فين، في قانون واحد هو قانون رايلي/جينز.

هذه العلاقة المعجزة ط = ه د، لا يمكن إطلاقا إثباتها بأي استنباط منطقي، شأنها في هذا شأن قانون التثاقل «أي الجاذبية» النيوتوني.

9

إنها مثله طريق جديد طرحته العبقرية الخلاقة، ويفضي إلى طرق تزداد رحابة كل يوم، حتى إنها المنعطف الجذري - بألف ولام التعريف - أي المفرد العلم في دنيا العلم الذري.

ليست الكوانتم مجرد حل لمشكلة إشعاع الأجسام السوداء، أو حتى لأية مشكلة معينة، حقا إنها محض نظرية عن أو حول الطبيعة الفيزيائية للإشعاع، ولكن ما أدراك ما الإشعاع! وقد تفاقم أمره حتى استحال الكون بأسره إلى مجموعة من الإشعاعات، كل شعاع منها يتملك زمامه تماما الكوانتم، إنها إبداع جديد كل الجدة، سرعان ما أتى السير فيه بالثمار التي تفوق الحصر والخيال، «وفي كل ظاهرة تدرسها الفيزياء في القرن العشرين يثبت فرض الكوانتم منذ أولى تطبيقاته كل ما يؤيده ويعززه، كل تطبيق يفضي إلى صياغة يظهر فيها ثابت بلانك «ه» بحيث إن مقارنة هذه الصياغة بالنتائج التجريبية تكون دائما مقارنة نشتق منها «ه»؛ أي ثابت بلانك، كوانتم الفعل، وكل قيم «ه» التي حصلنا عليها من دراسة ظواهر شديدة التباين والاختلاف كانت على اتفاق جلي، إنها نفس القيمة التي حددها بلانك».

10

والنتيجة أن دخل الكوانتم في صلب العلم بالعالم الذري.

إن ثبات هذا الثابت هو مناط عظمته المدهشة، وعلى الرغم من أن الظواهر الذرية كانت مطروحة للدراسة المظفرة المطردة النجاح، وموضوعا للعلم الذي يستأثر بأعظم العقول قبل أن يضع بلانك ثابته وفرض الكوانتم بسنوات عديدة، فإن كشف بلانك بلا جدال أعظم إنجاز في ميدان الذرة والأكثر أصالة وعبقرية، وكما يقول لويس دي بروي، لم يكن محض منبه أو دافع للفيزياء الذرية التي شهد القرن العشرون بأنها أكثر فروع العلم حيوية وطموحا، ولكنه أيضا وبلا جدال قد وسع الآفاق، وطرح عديدا من أساليب الفكر الجديدة ستظل نتائجها العميقة في المستقبل الرحيب للفكر البشري. وأدرك الفيزيائيون أنهم بغيرها كانوا سيظلون عاجزين عن فهم واستيعاب أي شيء بخصوص الطبيعة الحقة للظواهر الفيزيائية، لا ظواهر الضوء ولا ظواهر المادة. وفيما بين عامي 1900 و1930م انضافت إلى إنجاز بلانك العبقري جهود كوكبة من ألمع عقول القرن العشرين، أمثال آينشتين نفسه ونيلز بور وإيرفين شرودنجر ولويس دي بروي وفيرنر هيزنبرج وماكس بورن وبول ديراك، فأصبح الكوانتم نظرية شاملة تحكم قبضتها على عالم الإشعاع والذرة، العالم المتناهي في الصغر، الذي تعجز فيزياء نيوتن الكلاسيكية عن التعامل معه، ولن تجد أية همزة وصل بينه وبين حتميتها الميكانيكية البائدة. إن عالم الكوانتم والذرة والإشعاع عالم لا حتمي، وهذا انقلاب جذري في إبستمولوجيا العلم، من النقيض إلى النقيض، من الحتمية إلى اللاحتمية.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبلية · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول – الحصاد – الآفاق المستقبليةص ٩١